48 ساعة ويحل "طوبة" أبرد شهور العام فى مصر

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

بعد غد الجمعة.. مصر على موعد مع وصول شهر طوبة لعام 1737 القبطي، خامس شهور العام الـ12، وأبرد شهورها في مصر، حيث كشر الشهر عن أنيابه قبل وصوله بأيام قليلة بموجة من البرد القارص وحالة من عدم الاستقرار فى الأحوال الجوية، ليصبح الشغل الشاغل للمصريين هو بُرودة الطقس التي تنبئ بشتاء قارص، وتعاظم تأثير بُرودة الطقس مع توالي نوتي عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة، حيث تمر الإسكندرية بـ18 نوة مختلفة خلال العام، منها الممطرة الشديدة، ومنها ما تسبب الرياح الشديدة بدون أمطار.

أما شهر طوبة الذي سيبدأ بعد 48 ساعة ويستمر لمدة 30 يوما - فتاريخ قدومه في الفترة ما بين 9 يناير و7 فبراير من كل عام في التقويم الميلادي (الجريجورى)، ويسبقه شهر كهيك المشهور بقصر يومه وطول ساعات ليله، ويعقبه شهر أمشير المميز بزعابيبه، وترجع تسميته بهذا الاسم إلى الإله (أمسو أو طوبيا)، وتعني الأسمى أو الأعلى أو إله المطر، وهو ذات الاسم الذي سميت باسمه "مدينة طيبة" بالأقصر.

وكلمة طوبيا معناها أيضا غسيل أو تطهير، ومن خصائصه الطبيعية نمو الطبيعة من كثرة المطر وتخصيب الأرض، حيث يعرف شهر طوبة بأنه أول شهر في موسم النمو (البروييت) في مصر القديمة، وفيه تبدأ الحقول في الازدهار والنماء بعد العواصف التي تأتي فيه، ويبدأ الزرع والمحاصيل في تغطية الأراضي الزراعية، حيث تتفق "أشهر طوبة وأمشير وبرمهات"، الثلاثة المتتالية على مبدأ السلف ويتم اعتناقها، وبينها يتم تبادل الأدوار، وما تتميز به من برد وزعابيب ودفء بنظام العشرات، فيضم كل منها 10 أيام من البرد، وأخرى زعابيب، وثالثة دافئة.

ولأن الشهور القبطية أفرزت أمثالها الشعبية التي تعبر عن كينونتها المناخية وأثرها على الإنسان، نتيجة لارتباطها ارتباطا وثيقا بتراث الأمثال الشعبية في مصر، فلا يخلو شهر من شهورها من مثل أو أكثر يعكس ما يتميز به الشهر من ملامح وصفات دون غيره من شهور العام، وفيها يقال "ماشوفتش زى ما في مصر من مية طوبة، لبن أمشير، خروب برمهات، ورد برمودة، نبق بشنس، تين بؤونة، عسل أبيب، عنب مسرى، رطب توت، رمان بابة، موز هاتور، وسمك كيك".

وبالطبع، نال شهر طوبة حظه من أمثال المصريين، حيث تعلق شهر طوبة بأمثال "طوبة تخلي الصبية كركوبة" من كثرة البرد والرطوبة، و"طوبة أبو البرد والعنوبة (الآلام)"، وأشهر ما يمتاز به هذا الشهر "ماء طوبة" ذات المذاق المثلج الجميل، لذا يقال أيضا في الأمثال "أبرد من مية طوبة" على الأشخاص ذوى المشاعر الباردة.

و"طوبة اللي يخلى الصبية كركوبة" مثل شعبي عالق في أذهان المصريين، ويتردد كثيرا كلما حل عليهم شهر طوبة، لأثره السيئ على جلد الإنسان، وفي الأمثال أيضا التي تصف شهر طوبة يقول المصريون (طوبة تزيد الشمس طوبة)، (طوبة تخلي الصبية جلدة والعجوزة قردة)، و(طوبة ماتبلش ولا عرقوبة)، وذلك كناية عن شدة البرد في هذا الشهر، ولوقوع عيد الغِطاس (الشهير بعيد القلقاس) في هذا الشهر، فقد جاء في الأمثال الشعبية القديمة "اللي مايأكلش قلقاس يوم الغطاس يصبح جتة من غير راس"، وذلك للحث على إعداد وتناول وجبة من القلقاس في هذا اليوم.

ويستمر شهر طوبة في التكشير عن أنيابه، فما زال أمامه 30 يوما يصول ويجول فيها، وسيلجأ المصريون كالعادة إلى حساء العدس، الفول السوداني، البرتقال واليوسفي، البطاطا المشوية، والسحلب والقرفة بالزنجبيل والشاي للدفء والهروب من قسوة البرد.

التقويم القبطي واحد من بين 19 تقويما تحكم شعوب العالم من شرقه إلى غربه أبرزها التقويم الميلادي والهجري، وهو النظام الفرعوني للتقويم المصري القديم الذي يحتفظ به المصريون حتى الآن باعتباره جزءا من التراث الفرعوني، وحتى يومنا هذا يستعين به الفلاحون في تنظيم دوراتهم الزراعية، حيث يتطابق مع تغيرات الطقس على مدار العام.

ويعتبر التقويم القبطي التاريخ الرسمي لطائفة الأقباط في مصر حتى اليوم، حيث تم اتخاذ تاريخ ولاية الإمبراطور الروماني "دقلديانوس" حكم مصر بداية له تخليدا لشهداء الأقباط الذين نكل بهم هذا الإمبراطور الوثني لتمسكهم بعقيدتهم المسيحية ورفضهم تأليهه وعبادته، وتحددت بداية هذا التقويم على هذا الأساس بيوم 29 أغسطس من عام 284 ميلادية، والذي يقابله أول شهور هذا التقويم وهو (شهر توت).

ورغم أن التقويم لا يأخذ مكانه في المكاتبات الرسمية، وتواريه في زاوية بعيدة على صفحات الروزنامة (النتيجة) المستخدمة في تحديد التواريخ والتذكير بها، إلا أنه مازال يمتد وينساب بسهولة ويسر في الوجدان المصري، لما يمثله من دائرة معارف شعبية زراعية فلكية متميزة ترسخت في التراث المصري الأصيل.

اترك تعليقاً