auhv

منتحر في كل بيت..."مدينة الانتحار" التي لا تشرق فيها الشمس

3370 مشاهد

اللون الأبيض يُسر نفوسنا ويشعرنا بالهدوء، ولكن تخيل معي حينما يصبح كل شيء يحيط بك أبيض ليطغي على ملامح الحياة وإن اختلفت أشكالها ليجعلها باهتة، يمحو أثارها ليهبط عليك كالحجر الثقيل ليفقدك الحياة ومعالمها. قد يُزج أحدهم بمكانٍ أو بغرفةٍ يطيح لونها الأبيض بكافة أركانها بدءًا من الحائط حتي فراشها المنثور، فالبداية قد يُشعرك الأمر بالهدوء والراحة، ثم حين تعتاد عيناك عليه تمل وتشعر بالضيق فلا يوجد شيء تميزه وبعدها ينهال عليك كما ينقض الصياد على فريسته فتختنق ويصيبك الاكتئاب، فتحل عليك لعنة الموت لترغب في الانتحار.

 في عالمٍ تغيب عنه الشمس أصل الحياة والدفء، رمز النور والبهجة فيمتزج بجوٍ قاتم لا تكاد تري فيه شيء، لا تميز فيه النهار من الليل كما هو الحال في مدينة المنتحرين.  وهي مدينة  تُعرف ب"طازبلاك" من سنة 1985 وهي تتربع بلا منازع لأكبر عدد للمنتحرين سنويًا، مدينة يغطي سحابها الكثيف أرجائها فلا يفصلها عن أرضها المكسوة بالثلج الأبيض سوى أمتار.  

  وفي هذا العالم المنفصل عنا  قام ابن بطوطة  القرن 21 بإحدي الجولات الفريدة للكشف عن هذا المكان الذي يفقد فيه الإنسان روحه المقيدة بداء الاكتئاب ويستغني عن رغبته في الحياة، مُعلنًا قدومه علي الانتحار. حجاجوفيتش هذا الرحاله المصري والمغامر تجرأ ليدخل هذا المكان ليسرد أحداثه. حيث أصبحت المدينة خاوية بها أشباه أحياء مندفعون نحو الموت واحد تلو الأخر ساخطين علي حالهم رغم وفرة كل جوانب المعيشة السارة والرفاهية الممكنة. هذه الدائرة التي تخلو من أنفاس المتشبثين بالحياة لم يعد بها عائلة إلا وانتحر أحد أفرادها_ إن لم يكن جميعهم_ ومنهم من أرادت التخلص من شبح الاكتئاب المدفون بأرض المدينة ليعبث معهم وبعقولهم ليدفعهم من حافة الجسر، رافعين شعار الموت وهذا ما حدث مع إحدي الأسر وذكرته ابنتهم التي حاولت أن تتخلص منه فلم تجد سوي الانتحار كطوق نجاة، ولكن تم انقاذها عدة مرات محاولة التعافي والصمود.  

 وما يُحدثه هطول الثلج من نشوة بداخلنا نسعد بها كثيرًا، يتحول حين يمتد فيُخفي ضوء الشمس، ثائرًا على المدينة ويطيح بها، لتصبح كالقبر يبحث فيه الناس عن شعاع ليستمدوا منه طاقة لهم ولأبنائهم (المواليد الصغار) فيلجاءوا لحقنهم وامدادهم بالزيوت التي تعوض فوائد أشعة الشمس التي يحتاجوا إليها. وكجثة هامدة رافضة للحراك فقدت هذه المدينة بمن عليها عوامل التواصل مع الغير فكل منهم يستكين في بيته، فلا يحاول أحد التحدث إلى الأخر.

فالسكان هناك يشعرون بعدم الرضا عن الحياة والملل، فهذا الجو الممزوج بالظلمة والبرودة يثير الوحشة في نفوسهم. وبناءًا على ما أشاره حجاجوفيتش في حديثه بعد زيارته لمدينة الانتحار، أن المدينة لا يأتي إليها زائرون أو أجانب، يخشون من الإصابة  بداء الاكتئاب ولعنة الموت،  مُشبهًا إياها بمدينة دراكولاوعقرالأشباح حيث يندر وجود الناس رغم وجود الآف منهم.

وأثار "حجاجوفيتش" بعض التساؤلات عن محاولاتهم للتخلص من أعراض الاكتئاب لتجنب الوقوع كفريسة في ايدي  الانتحار،  فوجد أنهم يلجاءوا للسفر مجموعات كالعائلات، والجري، والسير لمسافات طويلة، ولكن لم تمنع هذه الحلول من حوادث أخري، فأخر الضحايا التي  قدمتها مدينة الانتحار من قرابين لشبح الاكتئاب كان مدير عام شركة تجارة أسماك.

كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ؟!

وذكرني هذا بدلالات اللون الأبيض عند "أمل دُنقل" من قصيدة "ضد من" الذي يذكره برائحة الموت :

كان نِقابُ الأطباءِ أبيض، لونُ المعاطفِ أبيض، تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات أبيض
الملاءاتُ، لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن، قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ، كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ، كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَن.

موضوع يهمك
?
اليوم على "الأنفيلد".. مواجهة مصرية بين صلاح والنني

 اليوم على "الأنفيلد".. مواجهة مصرية بين صلاح والنني

إعلانات

إعلانات