2019-09-22 08:19:27

عفاريت «أون لاين» وقرية الأربعون دجالاً

عفاريت «أون لاين» وقرية الأربعون دجالاً

أصوات تأتى من بعيد، أبخرة تتصاعد تكاد تعجزك عن الرؤية، يد تلقى بأتربة جهنمية لتعلو نار المدخنة، روائح متداخلة لا تستطيع أن تميز مصدرها، ليخرج برأسه سائلاً، ماطلبك؟!

لم تقتصر زيارة الدجال على الأميين والجهلة، بل إن أكثر مريديه من المتعلمين والشخصيات العامة والمشاهير، ما هذه القوة التى تجعل تلك الفئات تلغى عقلها وتفكيرها، وكأن خيطاً مسحوراً يكبلهم ويدفعهم للطرق على بابه.

«خديجة المغربية» وعلاقة الدجل بالمغرب...

لجلب الحبيب ورد المطلقة وزواج العانس وجلب السارق، اتصل على الرقم التالى، للشيخ المغربى «فلان»، بهذا الشكل تمتلئ المواقع والمدونات والمنتديات الإلكترونية، بمئات الأسماء من «الشيوخ» و«الشيخات» المغاربة الذين يسوقون لأنفسهم عبر شبكة الإنترنت بشكل بات مبالغاً فيه، الأمر الذى أسهم فى ارتباط المغرب الوثيق بالسحر.

إذ يجد السحرة المغاربة فى شبكة الإنترنت متسعاً للتسويق لإمكاناتهم الخارقة، فهو بالنسبة لهم سوق حرة نسبياً، يُسهّل التواصل مع الراغبين فى القيام بأعمال السحر أو فكُه أو تسخير الجن وكشف الحجاب، كما أن الإنترنت بمثابة شركة خاصة تقدم خدمات السحر المختلفة وتغرى المستخدمين من داخل المغرب وخارجها للتعامل معهم.

وفى بعض الحالات، من غير الضرورى أن تذهب للعراف أو الفقيه فى عقر داره، يكفيك مكالمة دولية فقط، فأرقام هواتفهم ينشرونها فى مواقعهم الإلكترونية وفق الترقيم الدولى، للتسهيل على الأجانب والعرب من خارج المغرب.

ذلك الربط لم يكن وليد عصرنا الحديث، بل قدمته وأكدت عليه مضامين بعض المصنفات التراثية كمقدمة ابن خلدون، وحكايات ألف ليلة وليلة، علاوة على مؤلفات البكرى، وابن الحاج التلمسانى وغيرها.

وفى كتاب مقدمة ابن خلدون، تحدث ابن خلدون عن «حاميم المتنبى» فى بلاد غمارة المغربية، الذى «كان يُلقّب بالمفترى، وكانت أخته دبّو ساحرة كاهنة، وكانوا يستغيثون بها فى الحروب والقحوط».

وعلى الرغم من قتل هذا المتنبى عام 315هـ، فإنَّ ذلك السحر استمر فى قومه بمنطقة غمارة إلى عهد ابن خلدون، فيروى بن خلدون فى كتابه بصفته معاصراً لذلك: «وما زالوا يفعلون السحر لهذا العهد، أخبرنى المشيخة من أهل المغرب أن أكثر منتحلى السحر منهم النساء العواتق، ولهم علم باستجلاب روحانية ما يشاؤونه من الكواكب، فإذا استولوا عليه وتكنفوا بتلك الروحانية تصرّفوا منها فى الأكوان بما شاؤوا، والله أعلم».

أغرب أنواع السحر والسحرة...

طيفٌ واسع يزخر به السحر والسحرة فى المغرب، كل له طبقته التى يراهن عليها وطريقته التى تميزه عن غيره، بين عرافين وشوافات بسطاء و«فقهاء» يطيرون ويختفون فى غمضة عين وحاخامات يهود، يسيطرون على عوالم سفلية، ويُسخرون ملوك الجان لخدمتهم وخدمة زبائنهم، فيسكنون الأجساد ويأسرون القلوب ويفرقون بين الأزواج.

الفقهاء وسحر التراجيم

ذلك السحر هو من أنواع السحر الأسود الذى يقوم به الفقيه، إذ من خلاله يصرف الفقيه قدراته الخاصة فى إنزال عقاب بشخص ما أو أسرة عبر تسخير الساحر لجنى ليكون خادماً عنده وذلك لرجم بيت بالحجارة المتقدة والنيران.

يعيش أولئك الفقهاء وهم كبار الشيوخ فى السحر المغربى والمتخصصون فى السحر الأسود فى قرى صغيرة فى المغرب مثل «دكالة» و«سوس».

ومن الأعمال التى يقومون بها علاوة على التراجيم، المحبة والتى يُرجى من خلالها جلب الحبيب وجذب انتباهه إذا لم يكن يبالى، فضلاً عن علاج العقم والأمراض الجنسية، وطرد الجن الملتبس بأجساد الزبائن من الرجال والنساء.

الحاخامات اليهود وسحر الكابالا

يتربع الحاخامات اليهود على رأس السلطة الدينية لليهود فى المغرب، زبائنهم فى الأغلب من ميسورى الحال، لكنهم فى بعض الأحيان يقومون بأعمال السحر بالمجان بل وقد يمنحون بعض زبائنهم نقوداً تحت شعار أن جُل ما يهمهم «فعل الخير ليس إلا».

يبرع أولئك الحاخامات اليهود فى نوع من أنواع السحر الأسود يسمى بـ«الكبالا»، هذا اللفظ فى عقيدة اليهود يمثل كلمة سرية أوحى بها الله إلى النبى موسى الذى أخبر بها أخاه هارون قبل أن تنتشر بين الأحبار اليهود، وتصبح مذهباً فريداً من أكثر مذاهب السحر الأسود غرابة.

 يؤمن أتباع ذلك المذهب بتناسخ الأرواح، وبعض فنون السحر والتنجيم والهرطقة، وتتعلق «الكابالا» برموز غامضة وباطنية حول طبيعة الله والكون.

ولتعلم ذلك النوع من السحر، يتطلب الأمر التدرج عبر عشر طبقات؛ من طبقة «إنصوف أور» التى تعنى التاج بالعبرية، إلى طبقة الملكوت التى يزعمون بأن الساحر فيها يرتقى من سابع أرض إلى سابع سماء، ومن أشهر أولئك السحرة، حاخام يهودى يدعى «حاييم أزلغوط»، رجلٌ سبعينى يُعد أشهر السحرة اليهود فى العالم بأسره، يأتيه من المغاربة أفواج مسلمون ويهود وأجانب من دول أخرى، للتبرك بما يتمتع به من قدرات خارقة على حد زعمهم.

العمانيون وسحر «الفودو»

يعد «الفودو» من أخطر أنواع السحر الأسود فى المغرب، يتركز من يعملون به من السحرة فى الدار البيضاء وأغلبهم عمانيو الجنسية، يعتمدون فى سحرهم على الدمى لاعتقادهم بقدرتها على التأثير فى الشخص الذى يرغب الزبون فى سحره وإيذائه عن طريقها.

يبدأ ذلك بتحديد الشخص المراد عمل السحر له، ثم يقوم الساحر بالوخز بإبرة حادة فى دمية تتسبب على الفور فى إصابة الشخص المسحور بآلام فوق الاحتمال.

علاوة على ذلك يقتنى أولئك السحرة محاليل يسمونها «ماسان»، يعتقدون أنه بتناولها تحدث مشاكل صحية ونفسية للمسحورين، يصل سعر القنينة الواحدة إلى 5 آلاف درهم على أقل تقدير.

وقد ذكرت إحدى الشيخات المغربيات، أن زبائنها لا يقتصرون فقط على الشباب والنسوة العاديين بل يصل الأمر إلى السياسيين، فتقول «نتعامل مع أغلبهم منذ سنين، وكانوا يفضلون أن نذهب نحن إليهم»، وأن إقبال أولئك الساسة يكثر فى فترة الانتخابات والأزمات السياسية.

وتتراوح مطالبهم بين من يسألها أن تضع القبول له فى قلوب الناس حتى يصوتوا لصالحه فى الانتخابات، وآخر يسألها لتخبره إذا ما كان سينجح فى الانتخابات أم لا.

فالسحر فى المغرب ليس حكراً على طبقة أو فئة اجتماعية وعمرية محددة، فقد يلجأ إليه الجاهل والمتعلم وحملة الشهادات العليا والمتوسطة وأصحاب المراكز المهمة والحساسة.

فعندما يتمكن الشيطان من أحدهم تتعاظم لديه الرغبة فى الانتقام ولا يهم حينها ما هى خلفيته.

الأمر ليس جديداً، فقد أشارت أولى الكتابات العربية الإسلامية إلى تجذر ظاهرة السحر فى المغرب منذ زمن بعيد، وبينت استناد السلطة السياسية العليا على خلفيتها، فكان المغرب يخضع لسلطة روحية وسياسية مارسها الكهنة.

أرض السحر فى مصر.. بلد الأربعين دجالاً

من السهل عليك أن تتجول بأى مكان بأرض مصر دون أدنى ارتياب أو شك، لكن الأمر هنا مختلف تماماً فتلك القرية بمجرد أن تطأها قدمك ستجد عند مداخلها بعض الأشخاص الذين يرصدون حركتك بأعين مترقبة، ويقتربون منك يسألونك: هل تريد الذهاب إلى الشيخ «فلان»؟!

وما نوع شكواك هل تريد فك أعمال أم سحر أم إخراج جن من جسدك؟! وتتوالى الأسئلة لتحديد الشيخ المناسب، أو بمعنى أدق «الدجال» المناسب للحالة، ويبدأ هؤلاء الوسطاء أو «سماسرة الدجالين» فى إقناع زبائنهم بقدرات الدجالين الخارقة وسرهم «الباتع» من خلال سرد حكايات وهمية وأساطير لا أساس لها من الصحة عن حالات عالجها الدجالون والسحرة الذين تمتلئ بهم القرية من الجن والعفاريت والسحرة والأعمال والربط، وبعد حصولهم على ما يريدونه من إقناع للشخص صاحب الشكوى، يتوجه به الوسيط إلى مقر الدجال المطلوب، وهناك يدفع الزبون «الفيزيتا».

والغريب أن زبائن هؤلاء المشعوذين الذين يأتون من كل أرجاء مصر بل ومن بعض الأقطار العربية ليسوا من الجهلة أو الأميين أو محدودى الثقافة والتعليم فقط، فهناك أيضاً المشاهير والفنانون والأثرياء العرب والمسئولون السابقون فى بعض الوزارات المهمة، والأغرب أن بعض الأثرياء العرب يرسلون للدجالين تذاكر السفر أحياناً ليذهبوا إليهم لمعالجتهم من «أعمال» سحر أو جن وعفاريت.

اشتهرت قرية «محلة بشر» فى الفترة الأخيرة باسم قرية الأربعين دجالاً؛ حيث لا يوجد منزل فى القرية إلا ويوجد به دجال أو نصاب من الدجالين، لاعتقاد الأهالى أن الأرواح الشريرة «الجن» تسكن القرية، ولا يوجد سوى المشعوذين، ليخلصوهم من هذه الأرواح.

ورغم أن «محلة بشر» مجرد قرية مصرية عادية تبعد ساعتين عن القاهرة، ولا يزيد عدد سكانها على 15 ألف نسمة يعمل معظمهم فى الزراعة، فإن المورد الرئيسى لاقتصادها يأتى عبر ممارسة الدجل والشعوذة؛ حيث احترف عدد كبير من أبنائها تلك الحرفة، والكل يكسب منها سواء الدجالون المشهورون أم الصغار المبتدئون، أم السماسرة الذين يصطادون الزبائن وهم يأتون يومياً إلى القرية خاصة يوم الجمعة باعتباره إجازة رسمية، وتلك الأموال والمكاسب الطائلة يتم تشغيلها فى أنشطة أخرى مشروعة، ويكفى أن نعرف أن أحد كبار الدجالين فى قرية العفاريت استطاع خلال خمس سنوات من العمل المتواصل فى مهنة الدجل والشعوذة أن يجمع ثروة اشترى بها 40 فداناً من أهل القرية وكتبها بأسماء بعض أفراد عائلته مع أخذ الضمانات الكافية للحفاظ على أمواله بالطبع، والمثير للدهشة أن هذا الرجل كان مجرد موظف بسيط فى مجلس المدينة فى مركز شبراخيت الذى تتبعه إدارياً قرية الدجالين والعفاريت.

قنوات مخصصة للدجل...

تجلس على كرسيها وأمامها الكاميرا التى ترصد مشهداً من أغرب ما يمكن أن تشاهده فى قرننا هذا، فمع كل التقدم والتكنولوجيا التى وصل إليها العالم، لا تعبأ هى ولا متصلوها ممن يريدون «كراماتها»، لاسترجاع الزوج أو جلب الرزق.

تقوم بملء ورقة ببيانات المتصل ثم تقوم بتمزيقها إلى قطع صغرى ورميها بإناء أمامها ممتلئ بالبخور، وتقوم بإغلاق الخط، ومن أهم شروطها لتحقيق «مَراد» المتصل أن يذكر اسم والدته.

ذلك ما تفعله الشيخة «جواهر»، على إحدى القنوات الفضائية المتخصصة، ذاكرة جملة «طالما اتصلت علىَّ فى حل»، مع كل اتصال ففى إحدى المداخلات الهاتفية طلب «فيصل-20 عاماً» معرفة سبب عدم إتمام أى زيجة له، فقالت له نصياً: «انتظر أربع سنوات ولكن أنصحك بعدم الانتظار فلدى طرقى الخاصة»!!!

وفى مداخلة أخرى انتحبت «مريم-28 عاماً» لعدم التوافق بينها وبين زوجها؛ حيث يقوم بضربها وطالبت الشيخة بفعل أى شىء مقابل أى مبلغ، لكى تنصلح أحواله، فجاء ردها أن تعاود الاتصال بها فوراً عقب انتهاء الحلقة!!!

ليست هذه القناة فحسب فهناك الكثير من المنصات الإعلامية التى تبث سمومها السحرية، وتقوم بنشر الدجل بين المشاهدين.

الدين.. ضد السحر والدجل

وقد ذكر الدكتور أحمد عبدالرحمن، أستاذ الفلسفة الإسلامية وعلوم الأخلاق، أن هؤلاء الدجالين والسحرة لا يملكون شفاء المرضى أو علاجهم، فالعلاج عند الأطباء فى العيادات والمستشفيات، وكذلك لا يستطيعون أن يجعلوا امرأة عاقراً تنجب أطفالاً، والذهاب إليهم مضيعة للوقت والمال، وقد أعطانا الله العقل لنميز به هذه الأشياء، ويكفى أن قدوتنا جميعاً الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كان إذا تعرض لأى مرض وهو فى المدينة المنورة ينتظر حضور طبيب فارسى أو شامى إلى المدينة، ويجلس معه ويتحدث إليه عن مرضه طلباً للعلاج.

أما الشفاء فهو طبعاً من عند الله «الشافى»، كما أن المشاكل النفسية والعصبية مثل الاكتئاب والانهيار العصبى والملل والأرق تحتاج الذهاب إلى الطبيب النفسى وليس إلى المشعوذين والدجالين، وأود أن أضرب مثالاً بزوجة لا تطيق العيش مع زوجها وتحدث بينها وبينه مشاكل يومية تجعلها تتصور أنه لا حل إلا باللجوء لهؤلاء الدجالين.. هذه الزوجة لابد أن تلجأ إلى الله ثم إلى العقلاء من أسرتها وأسرة زوجها لحل المشاكل فيما بينهما، والكلام نفسه ينطبق على الزوج وأى إنسان يشعر بالضيق والاكتئاب، أما الذهاب إلى المشعوذين فهو حرام شرعاً، وأرجو من كل المسلمين ألا يطاوعوا الشيطان ولا يستسلموا لأنفسهم وشائعات من حولهم بشأن الذهاب إلى السحرة والدجالين لحل مشاكلهم.

أشهر المدن والمحافظات المصرية ارتباطاً بالدجل

الدقهلية: من أكثر المحافظات انتشاراً للدجل والشعوذة، فالمحافظة بها 6 قرى من أشهر قرى مصر فى العلاج بالدجل والشعوذة، وهي: «البرامون» بالمنصورة، «طناح، طهواى» بالسنبلاوين، وقرية «البصراط»، التابعة لمركز المنزلة، و«طلخا، بلقاس».

قنا: من بين المحافظات التى ترتفع بها نسبة الدجل والشعوذة، وخاصة فى قرى «الشيخ سالم»، و«الكوم الأحمر»، و«العويضات»، و«مشهور»، تلك القرى أثيرت بها شائعات عن وجود قرين يتسبب فى الحرائق المتكررة، وانقطاع الإنجاب.

أسوان: التى لا تبعد كثيراً عن محافظة قنا، تنتشر أيضاً عمليات الدجل والشعوذة فى أنحاء المحافظة، ويتم استخدامها فى كشف المواقع الأثرية بنطاق المحافظة، بالتحديد فى قرية «إدفو» الذى ينتشر بها الدجل والشعوذة.

برج العرب بالإسكندرية: نظراً لوقوعها على أطراف المدينة، وغلبة الطابع البدوى على معظم سكانها، فينتشر بها الجهل الأمر الذى يدفع أهالى المنطقة للاستعانة بالدجالين فى أمور حياتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*