بين المواجهة والإسقاط .. "التحول الجنسي" في السينما والدراما

التحول الجنسي
التحول الجنسي

محاولات لفهم ما يدور بالسينما المصرية ومناقشة قضاياه المجتمعية، ليمر يوم تلو الأخر لتتغير فيه ظاهرة إجتماعية تارة وينكشف الغطاء عن غيرها تارة أخري. ولكن في بعض الأحيان نصل إلي نفق لا نري فيه شيئًا ونعجز عن الوصول لمخرجه، وهذا هو ما نجده بالسينما والدراما المصرية نحو قضية التحول الجنسي. حيث تم تناولها في مختلف الأعمال السينمائية و الدرامية مما أثارت العديد من التساؤلات منها كيفية تناولها وكيفية إيجاد حلول لها.

  • قضايا عرضتها السينما و تمت معالجتها دستوريًا

مما لا شك فيه أن للسينما دورًا إجتماعيًأ وثقافيًا لا يمكن إغفاله فقد تدخلت بعض الأعمال السينمائية في وضع قوانين ليقرها الدستور لحل مشكلات إجتماعية، كقانون الخلع الذي كان إنعكاسًا لما ورد بفيلم( أريد حلًا) عام١٩٧٥ بطولة الفنانة "فاتن حمامة"، كما ناقشت أيضًا قضية السابقة الأولي من خلال فيلم (جعلوني مجرمًا) عام ١٩٥٤بطولة الفنان "فريد شوقي"، والتي من خلالها تمكنوا من عرض المشاكل التي يعانيها البعض. ومن هنا تم إصدار قانون يعفي من السابقة الأولي.  كل ذلك يشيرإلي مدي تأثير السينما في مناقشة مختلف القضايا الاجتماعية والواقعية التي قد نعجز عن حلها سوي عرضها علي الشاشة متناولين كافة الأبعاد ليراها الآخرون بمنظورٍ أخر.

قضية وضعت في إطار كوميدي للهروب من الواقع

1.التحول الجنسي :

 تم تناول هذه الظاهرة والتي لم تعد غريبة بعد الآن في ثلاث أفلام، ففكرة التحول الجنسي يتم تداولها في إطار كوميدي على سبيل الهزل لإثارة الضحك، وقد تظهرأحيانا كإسقاط ساخر ليشير إلي حالة إنفصام إجتماعي. فمن أبرز الأعمال: الأنسة حنفي، السادة الرجال، وبنات العم، أما عن الأعمال الدرامية تم الإشادة بعملين فقط لا غير قاما بإستهداف هذه الفكرة، وهما (صرخة أنثي، جراب حواء).   

  • الأنسة حنفي

(الأنسة حنفي) الذي قام بإخراجه  فطين عبد الوهاب عام ١٩٥٤م فطبيعته الكوميدية طغت على  ملامح الظاهرة موضحًا نقطة هامة عن حياة المرأة وما تتعرض له من إساءات الغير و تعنيف من خلال الدور  الذي قام بتجسيده"اسماعيل يس".

وجهة نظر الكاتب وميرراته تكمن هنا في محاولاته لدعم المرأة والأفكار النسوية خارج تسلط المجتمع آنذاك، فرأينا التحول الفكري الكبير الذي حدث لشخصية حنفي المتمثلة في "فيفي"عندما أصبحت تعارض القمع ذاته الذي كانت تمارسه من قبل عندما كانت ذكرًا، حتى أنها دافعت عن حقها ورفض ما كان والدها يجبرها علي فعله. لم يتلقي هذا الفيلم الكثير من الإنتقاد لما به من صبغة كوميدية وإن كانت تناقش قضية هامة وحيوية عن المرأة ولكنها لم تكن تناقش المتحولين أنفسهم و إنما جاءت فكرة التحول هذه كجسر لتكون مرآة لعكس الواقع والنظر للأمور من منظور المرأة و ليست فكرة التحول الجنسي ومضمونها.

أما عن بعض الإنتقادات الموجهه للفيلم كانت نتيجة لما فيه من إساءة وسخرية تمت من خلال المواقف لحالة كل من ينتمي لفئتي الترانس، وكل ذلك بهدف إضحاك الجماهير، ناهيك عن الأخطاء الطبية والعلمية وقلة البحث المطلوب عن هذا الموضوع، على الرغم من أنه كان مستوحى من حادثة حقيقية وقعت في مصر عام 1947. فالفيلم لم يجد حلًا للأمر و إنما كانت نهايته تحول الوالد الذي قام الممثل "عبدالفتاح القُصري" بتجسيد دوره، مما أثار تساؤلات حول نهايته التي تركت لنا دائره مفرغة يعلن فيها إستحالة الحلول التي يستعصي علينا إيجادها.

  • السادة الرجال:

 

 وعلى الصعيد الأخر نري  السينما تناولت أيضًا الموضوع ذاته بشكلٍ أخر في فيلم (السادة الرجال ) للمخرج رأفت الميهي عام ١٩٨٧م الذي قام ببطولته الفنان محمود عبد العزيز و معالي زايد، حيث كان الهدف منه هو إظهار ما تتعرض له المرأة من ضغوطات و تقليل من شأنها سواء علي المستوي العملي أو الإجتماعي.  حيث أدرج  المخرج فكرة تحول المرأة إلى رجل طارحًا أهم القضايا وهي المساواة التي تسعى إليها المراة لتثبت أنها لا تقل عن الرجل في شئ بل أيضًا تفوقه في الكثير من الأمور.

فهنا على الرغم من إشكالية تناول المصطلح بمضمونه ومفهومه إلا أن السينما المصرية تغاضت عنه،  وأظهرته على أنه أمر إرادي يتم اللجوء إليه كما يشاء  الإنسان و ليس خلل بنظامه الفسيولوجي. حيث أرادت السينما بشكل غير مباشر الإشارة لموجات العنف ضد المرأة ورغبتها في التخلص منها عن طريق التحول للنوع الأخر.

ومن هنا يبدأ الكاتب"رأفت الميهي" بطرح العديد من الأزمات التي تواجهها المرأة مثل: المواكبة بين العمل المنزلي وعملها والضغط عليها لترك العمل لتصبح تابعة لكيان الرجل، وقضية تأخر النساء عن الترقية بسبب إجازة الوضع، كما ظهر بأحد المشاهد أن مديرها يعلن صراحةً أن زميلها الرجل ستتم ترقيته علي حسابها، رغم كفأتها وذلك بسبب أخذها إجازة وضع وساعات رضاعة بشكل يومي. مبررًا أسبابه وعارضًا إياها بأن المرأة تقع تحت ضغط إجتماعي بشكل دائم، فهي من ناحية مطالبة دائمًا بالأعمال المنزلية، ومن ناحية أخري لا تستطيع الترقي، علاوة على أنها دائما ما تتعرض للتحرش. ثم يتطرق بعد ذلك لنقطة أخري وهي" العبور الجنسي" كما يطلق عليها، فيُناقش الأمرعن كونه حق من حقوق الإنسان، وكطفرة علمية يسير في طريقها طب المستقبل كحدث و إنجاز سيغير من مجري البشرية وأراد بذلك الإشارة إلي  مخالفة الطبيعة الإلهية فيما يخص الهيئة البشرية.

  .2 العبور الجنسي:

  

 وكما هو معروف بأن أي شئ له مؤيد و جانب معارض، فالعمل هنا لقي استحسانًا كثيرًا لما فيه من محاولات جريئة لعرض مشاكل المرأة دون أن يواري فيها شيئًا، لكنه لم يسلم من الإنتقادات لأنه لم يعرض قضية العبور الجنسي أو التحول الجنسي  التي قد يعاني منها البعض، فالفيلم لم يتطرق "للديسفوريا الجندرية" والتي (تعرف بعدم الرضى والانزعاج من النوع الجندري الذي ينتمي له الشخص حسب تصنيف المجتمع له اعتماداً على جنسه المسجل عند الولادة).وأعراضها و كيفية حلها كأزمة ناتجة عن إضطراب بيولوجي، بل  تم طرحها كحل للهروب من الضغوط الذكورية و الأدوار الجندرية في المجتمع المصري.

ومدلول ذلك أن "فوزية" الشخصية التي جسدتها الزوجة"معالي زايد" لم تكن تعان من أي اضطرابات جسمانية أو نفسية فهي لم تلجأ للتحول إلا هربًا من الضغوط التي يتم ممارستها على النساء فأرادت أن تسمح لنفسها بالحصول علي الإمتيازات التي يسمح بها الرجل لنفسه، فعلي الرغم من إيجاد بعض الحلول و تطبيق بعض القوانين التي  تلجأ إليها المرأة " كقانون الخلع" إلا أن الكاتب في رأيه أراد أن يشمل المرأة ككيان كامل، فقد تكون غير متزوجة حينها لن يكون هذا القانون في صالحها عندما تواجه ممارسات وضغوطات من النوع الآخر. وبالنهاية أيضًا نعود لنقطة الصفر في الكشف عن هذه الظاهرة و أبعادها دون مزجها كعنصر ساخر ومستبعد الحدوث.

وفي نفس السياق الكوميدي أتي فيلم (بنات العم) عام ٢٠١٢ للمخرج أحمد سمير فرج فى إطار كوميدي مفتقدًا للجانب الأساسي من الظاهرة. حيث قام الثلاثي بكتابة سيناريو الفيلم بعيدًا كل البعد تمامًا عن مسار فكرة التحول الجنسي وذلك ما قام الممثل"أحمد فهمي" بذكره في إحدي لقاءاته. فبداية الفكرة كانت لدي صلاح عبدالله حينما طرح سؤالًا عما قد يحدث لو نام شخص وأستيقظ فوجد نفسه شخصًا آخر، ومن هنا بدأوا وعملوا علي تطوير الفكرة التي تحتوي علي وجود ثلاث فتيات يتحولن إلى رجال، لكن الصعوبة كانت فى ألا يتحول الفيلم من فانتازيا الى أحد أفلام المتحولين جنسيا، وهذا ما عملوا عليه جاهدين لتجنب تلك الملابسات التي قد تنتج عن الخلط بينهما. فالهدف من الفيلم لم يكن مناقشة أي قضايا سوي إثارة الضحك و التفوق علي فيلمهم السابق (سميروشهيروبهير) الذي حقق نجاحًا باهرًا كما ذكروا.

 و لكنه بالرغم من ذلك قام بعكس ردود المجتمع علي مثل هذه الظاهرة مبينًا ازدرائه و إنكاره لمثل تلك الظاهرة، و أيضًا تم إنتاج فيلم ( أسرار عائلية) و الذي كان يطرح قضية المثلية الجنسية وكيفية تعامل المجتمع معاها، و الذي أشار إلي إنكارها أيضًا من خلال رفض العائلة لمثل هذه الأفكار،وتم إدراجه ضمن مصنفات التحول الجنسي على الرغم من اختلاف المسارات بين كلا منهما.

  1. أزمة ما بعد التحول الجنسي: 

 في  سياق أخر سارت الدراما المصرية حيث تم إنتاج مسلسل ( صرخة أنثي) عام ٢٠٠٧ للمخرج رائد لبيب والذي قامت ببطولته الممثلة "داليا البحيري" موجهًا  هذا المصطلح في مساره الصحيح و عن دور الأهالي في تحديد نوع المولود بالرغم من وجود تشوه وعيب خلقي بالمولود وعلي إثر هذا تتوالي الأحداث، ليجد عفيفي نفسه فى أزمة هوية مع ذاته و جسده ومن ثم قرر اللجوء إلي عملية لتغيير جنسه من ذكر لأنثي. فهذا العمل الدرامي قام بتجسيد المعاناة النفسية و الجسدية لشخصية عفيفي، و بعد ذلك قام بتجسيد معاناة تحوله والتي تصاعدت لنبذه مجتمعيًا. 

مؤخرًا تم التطرق لقضية التحول هذه بإحدي حلقات مسلسل (جراب حواء) مُلفتًا أنظار الجميع إلي الإزدواجية الفكرية و المعيارية السائدة بالمجتمع. فمحاولات الدراما المصرية هنا عملت علي طرح الظاهرة بمختلف أبعادها، مرورًا بموجات التعنيف التي قد يواجهها مضطربي الهوية البيولوجية و رفض تقبل المجتمع لهم وإندماجهم فيه.

 بين مؤيد ومعارض تتصاعد الآراء والإنتقادات، فالجانب الأول يري أن مناقشة مثل هذه الظاهرة يخل من توازن المجتمع و يهدد قيمه الأخلاقية، أما الجانب الأخر فيري أننا أمام ظاهرة لابد من أخذها بعين الإعتبار وعدم تجاهلها. وفي نهاية الأمر نصل إلي محطة من نبذ و عدم تقبل هذه الظاهرة حتي وإن كانت موجودة على الرغم من كثرة الإدعاءات المتواجدة والحرية المصطنعة. لهذا نصل إلى سؤالٍ أخير ( أهذا حق الفرد أم حق المجتمع)؟؟!!

احصائيات كورونا في مصر

اترك تعليقاً