بعد 75 عامًا من رحيلها.. «ليالي أنس» أسمهان تطرب عشاقها

أسمهان

«ليالي الأنس في فييينا.. بدع الورد.. أنا أهوى» أغنيات تسللت إلى قلوب الكثيرين من محبيها، لم تكن فقط أخت للفنان فريد الأطرش، لكنها عملت على ترسيخ اسمها في عالم الفن خارجة عن طوع أخيها الفني، «أسمهان» أو آمال الأطرش.

وتحل اليوم  ذكرى وفاة أميرة الفن المطربة الراحلة أسمهان التى رحلت فى شبابها فى مثل هذا اليوم من عام 1944 بعد أن بدأت تشق طريق النجومية وأصبحت من أشهر المطربات، حيث توفت فى حادث غامض لايزال الجدل حوله حتى الأن يدور حول كونها لقيت حتفها غرقا قضاء وقدر أم بفعل فاعل واختلفت الأقاويل حول هذا الفاعل .

وبعيدا عن حادث وفاة الأميرة أسمهان الأطرش، فإنها كانت حالة فنية متفردة تنافس أشهر مطربات جيلها، ومنهم كوكب الشرق أم كلثوم، لولا عمرها القصير ولفتت موهبتها عمالقة الفن والأدب والسياسة فى عصرها، ومن بين عمالقة الفن الذين شهدوا لتفرد موهبة أسمهان الفنان الكبير يوسف بك وهبى الذى تحدث عن اسمهان فى حوار صحفى أجرته معه  مجلة الموعد عام 1982، فوصها بأنها برنسيسة الفن ولها خصال النبلاء وبنات الأصول.

وتابع يوسف وهبى ى حديثه عن أسمهان قائلا: «كانت متواضعة فى كبرياء ومسرفة فى السخاء وجميلة فى بساطة، مؤكدًا أنها لو عاشت أكثر كانت ستغير تاريخ الغناء.

أول تجارب أسمهان الفنية كانت في صالة «ماري منصور» في شارع عماد الدين في القاهرة، إلى جوار أخيها فريد الأطرش، وفتحت لها أبواب الشهرة، وفي فترة وجيزة انهالت كلمات الإشادة والإعجاب من كبار الملحنين في هذا الوقت على الصبية، ثم انقطعت خلال سنوات زواجها عن الوسط الفني، ومالبثت أن عادت تدفع أمواج إبداعها رياح الشوق، فقدمت العديد من الأغنيات وفيلمين، ولم يمهلها القدر أن تكمل ثانيهما، وتوقفت حياتها قبل تصوير «النهاية السعيدة» في فيلم غرام وانتقام، فاضطر المخرج إلى تغيير النهاية لتلائم وفاتها، وتتشابه مع نهاية مسلسل حياتها الحزين.

ولدت أسمهان في «الماء» وانتهت حياتها في «الماء»، فقد رزق الأمير فهد الأطرش بابنته «آمال» على متن باخرة أثناء رحلة العائلة من تركيا إلى الشام، كذلك توفيت آمال غرقا بعد أن انقلبت بها السيارة في ترعة الساحل بطلخا.

في بداية حياتها انزعجت أسمهان من صوت المضخات البخارية بترعة الساحل في طلخا، ووصفته بأنه «صوت جنائزي»، وكان هذا دليلا على شفافية روح الفنان داخلها بدرجة عالية، فقد لقيت مصرعها في المكان نفسه بعد 4 سنوات فقط.

تركت لنا أسمهان تاريخًا حافلاً بالفن إلى جانب مشوار حافل بالمآسي أيضًا، حياةً تشبه حركة موج البحر الذي تلقى هذه الطفلة، التي عاشت تبحث عن «أرض» ثابتة بعد أن سأمت أرجحة الموج، فكان لها روح دائمة القلق، دائمة التطلع، تخاف الاستقرار، حتى وصل الأمر إلى أنها لم تستقر على بيت واحد أو زوج واحد أو حتى ملحن واحد لمجموعة أعمال.

لا يعرف أغلب المصريين عن «فيينا» سوى أنها «روضة من الجنة»، وأن «ليالي الأنس» لا تحلو سوى في هذه المدينة الغربية، واحتل هذا التصور مكانة بارزة في ذاكرة المصريين نتيجة ارتباطه بإحدى أنجح وأخلد الأغنيات في تاريخ الطرب العربي «ليالي الأنس في فيينا» التي شدت بها أسمهان في فيلم «غرام وانتقام»، والذي رحلت قبل أن تكمله أو تكمل عامها الثاني والثلاثين، لكنها تركت تراثا فنيا قليل العدد بعيد الأثر، خالدا حتى الآن.

«كاميليا» هي الابنة الوحيدة للأميرة السورية «أسمهان»، نتاج زواج لم يدم سوى 6 سنوات من الأمير حسن الأطرش، وضعتها في القاهرة وجعلت منها خيطا رفيعا يربطها بعاصمة أحلام الأميرة، فكانت تعود إلى الجبل بجوار زوجها ثم لا تلبث أن تتركه بحجة زيارة ابنتها في القاهرة، لكن السبب الحقيقي هو الاشتياق لأضواء الشهرة في هوليوود الشرق.

عاشت «أسمهان» ظروف «اللجوء» وهي مازالت في رحم أمها، ثم ذاقتها وهي في مرحلة الصبا، حيث كانت تعي معاني «الغربة، الفقر، اليتم» قبل أن تدرك معاني مثل «الحب، الثراء، اللهو»، فدفعها ذلك دفعا إلى مجموعة من التعويضات العاجلة، انتهت بها إلى مجموعة من التجارب القصيرة العميقة، لم يترك الألم تفصيلة منها إلا وسكنها، وكذا كانت ضريبة المعرفة والشهرة لفنانة تسهر العيون الآن منتشية من ندى صوتها.

«إمته هاتعرف» تعتبر من الأعمال الفنية القليلة التي تحولت إلى ثيمة في حياة كل العرب، فما اجتمع حبيب بحبيبه قبل مرحلة البوح إلا وكان هذا اللحن بهذه الكلمات في خلفية المشهد، بل يمكن أن تكون النظرات ذاتها التي ينظر به المحب إلى هدفه المنتظر تحمل بصمة عيون «أسمهان»، تلك العيون التي كان مضرب المثل في الجمال.

الصدفة وحدها، وكالعادة، قادت «أسمهان» إلى الأضواء، حين استمع داوود حسني لصوت رخيم خلال زيارته للملحن الشاب «فريد» في منزل العائلة، وحين علم أنها الأخت الصغرى له طلب منه أن يستمع إليها مجددا، فقدمت له الصبية الشيء الوحيد الذي تملكه ذاكرتها إلى جانب الألم، وهو مجموعة من أغنيات أم كلثوم وعبد الوهاب، فأطلق عليها داوود حسني اسما فنيا هادئا كموج البحر ملكيا كأصلها: «أسمهان»، وأطلق معه موهبتها التي بلغت الآفاق.

عزف الكثيرون بعد وفاة أسمهان ألحان الشائعات، بإلهام من هذه النهاية المفاجئة المفجعة الغامضة، فذهب بعضهم إلى أن أصلها الأميري وتدخلها في السياسة بسبب مكانتها بين الدروز واتصالها بالمخابرات الإنجليزية إبان الحرب العالمية الثانية كان سببا مباشرة في اغتيالها بعمل استخباراتي، وأفتى آخرون بأن علاقتها بأحد رجال القصر الملكي في مصر وغرامه بها أثارت غيرة «الوالدة باشا» فقررت التخلص من هذا العزول، وكأن هذه الشائعات قد كتب لها الحياة أكثر من أسمهان لتكمل دائرة الأسرار التي بدأتها الموهبة الفذة في المهد مع الجمال الآخاذ مع الوفاة الغامضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*