انتقمت لزوجها اليهودي.. غيرت اسمها إلى "آنى موشيه".. الجاسوسة الأخطر في تاريخ العرب الذي أوقعها "الأمير الأحمر"

أمينة داود
أمينة داود

"إننا نفخر بالمتطوعات العربيات من أمثالك"، قالها لها الرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات"، تقديرًا لمجهودها داخل المقاومة الفلسطينية، إلا أنه لم يكن يعلم أن جملته تلك لم تكن في محلها وأنه صافح أحد أخطر من مروا على عهد الجاسوسية، الجاسوسة "أمينة داود محمد المفتي".

لأسرة مسلمة شركسية الأصل، ولأب كان من أثرياء الأردن وأم حظيت بثقافة كبيرة واندماج مع سيدات المجتمع الراقي، ولدت أمينة داوود محمد المفتي عام 1939 في الأردن، ولأنها كانت أصغر إخوتها استحوذت أمينة على دلال كبير.

نتيجة عدد من الأحداث والتقلبات بحياة أمينة أصاب التقصير دراستها مما جعلها تحصل على مجموع صغير بالثانوية العامة، فاختارت أن تدرس الطب في أوروبا لتحقق رغبة والدها في أن يراها طبيبة، ورغم معارضة بعض المحافظين من أسرتها على سفرها وإقامتها وحدها في أوروبا، إلا أن وقوف أمها ورائها وتشجيع والدها على تقديم طلب التحاق بنته المدللة للدراسة بإحدى جامعات أوروبا كان وراء اتخاذ قرار بسفرها لأوروبا.

Image may contain: 1 person, closeup

حياتها بـ"جوهانسبرغ"..

رفضت أمينة حياة المجتمع الشرقي وسخطت عليها سخطًا جعلها تصر على السفر في دولة أوروبية لا يوجد بها أي من أفراد عائلتها، وبالفعل سافرت بصحبة والدها إلى النمسا حيث قدم لها طلبًا للدراسة بجامعة فيينا وتحديدًا في كلية علم النفس الطبي  "Medical Psyshology"  التي كانت من أحدث كليات الطب في العالم في ذلك الوقت، وبعد أن اطمأن والدها عليها تركها وعاد إلى الأردن مرة أخرى على وعد منه لها بالترتيب والإعداد لزيارتها هو ووالدتها في أقرب فرصة.

فور عودة والدها إلى الأردن اندمجت أمينة بشكل سريع داخل المجتمع الأوروبي لاسيما وأن تعرفها على صديقة جديدة إنجليزية الأصل تُدعى "جولي باتريك"، جعلها تنغمس في الحياة بسلاسة أكثر.

"جولي" والتي كانت تعرف دهاليز الحياة الأوربية وخفاياها، أخذت على عاتقها توجيه أمينة فجعلتها تتخلى عن ملابسها وتستبدلها بملابس أكثر عصرية، كما اعتادت التدخين أيضًا، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد لكنهما مارسا "الشذوذ" سويًا.

عقب عودة "جولي" إلى بلدها بعد نهاية العام الدراسي، وجدت أمينة بديلًا لممارسة الشذوذ معه، فتعرفت على "سارة بيراد"، والتي كانت عاملًا أساسيًا في توغل أمينة في طريق الجاسوسية.

 

"سارة بيراد" وبداية طريق أمينة في الجاسوسية..

"سارة بيراد" والتي يعمل والدها موظفا في إدارة الوثائق بفيينا، ويعمل أخوها طيارًا حربيًا بسلاح الجو النمساوي، أخذت في تعليم أمينة المفتي اللغة الألمانية بإجادة، وذلك ما أفادها في دراستها كثيرًا.

والغريب أن أمينة المفتي علمت بعد فترة من علاقتها بصديقتها وزميلتها سارة بيراد أنها يهودية، والأكثر غرابة أن أمينة المفتي هذه الفتاة العربية الأردنية لم تتأثر بما علمت بل إنها خاطبت صديقتها قائلة: "يا عزيزتي إن ما بيننا من صداقة أقوى من كل شيء، فإن كنت أنت يهودية غير متدينة فأنا أيضًا أكاد لا أعرف عن الإسلام شيئا".

في نفس الوقت حصلت أمينة على بكالوريوس علم النفس الطبي بتقدير متوسط، ولكن ما أصابها بالاكتئاب هو أن أيامها بأوروبا أصبحت قليلة ويتحتم عليها العودة إلى بلادها بعد حصولها على شهادتها.

عادت أمينة إلى الأردن وفرحت أسرتها بمقدمها، وأصبحوا يتباهون بأن ابنتهم أصبحت تحمل شهادة في تخصص جديد ونادر على مستوى العالم، وأخذ والدها يلح عليها في الزواج من ابن عمها الذي يكبرها كثيرًا، إلا أنها صدمت لأنها لو وافقت ستضيع كل أحلامها في التحرر وستصبح مكبلة بقيود التخلف والرجعية حسب تفكيرها، لذلك كانت تماطل بحجة أنها تريد استكمال تعليمها العالي والحصول على الدكتوراه.

وحاولت أمينة المفتي ووالدها التواصل مع الجامعة بالأردن لكي تلتحق بها وتستكمل دراستها العليا بها، ولكن فشلت جميع المحاولات لأنها تحمل شهادة في تخصص جديد وغير موجود في أي جامعة عربية، ولكي تستكمل دراستها العليا يجب عليها العودة لأوروبا مرة أخرى، وهو ما جعل أمينة المفتي تتهلل وتنفرج أساريرها.

العودة لـ"فيينا" والتعرف على "موشيه بيراد"..

عادت أمينة المفتي إلى فيينا مرة أخرى لاستكمال تعليمها العالي، ذلك لأن تخصصها كان نادرا ولا وجود له في جامعة الأردن ولا في أي من الدول العربية.

في أعقاب ذلك أقامت أمينة في منزل "سارة بيراد"، لفترة ومن ثم تعرفت على "موشيه بيراد"، الطيار الحربي بسلاح الجو النمساوي شقيق صديقتها، ومع الوقت ازداد إعجابها به.

تعلقت أمينة بـ"موشيه" وأقاما علاقة سويًا، ومن بعدها تركت مسكنها وأصبحت تعيش في مسكن مشترك برفقته وظلت هكذا حتى حصلت على شهادة الماجستير، وفرحت كثيرًا بفتاها وبشهادتها، ولكنها عندما تقدمت برسالتها العلمية التي كتبتها دون اهتمام كامل وعلى عجل لنيل شهادة الدكتوراة، رفضتها لجنة المناقشة لضعف أوراقها ووصفوها بأنها غير جديرة بالمناقشة.

وحينها أصيبت أمينة المفتي بالحيرة والفكر الشديد، وذلك لأن استكمال دراستها العليا هو السبيل الوحيد لاستمرار بقائها مع حبيبها في فيينا، ولو عادت مرة أخرى إلى بلادها فلن تصبر على فراق حبيبها موشيه بيراد الذي امتلك كيانها وأصبح هو كل حياتها، فحسبما كتبت في مذكراتها قالت أمينة المفتي عن حبيبها موشيه بيراد: "لم أهتم بكونه يهوديًا وأنا المسلمة، فقد أصبح نهر اللذاذات هو ديني الجديد، وصار موشيه هو وطني وأهلي".

قام موشيه باستخراج شهادة دكتوراة موثقة من الجامعة التي رفضت رسالة أمينة مسبقًا، ولشدة دقتها لم يستطع أحد معرفة أنها ليست أصلية، وحينما تساءلت أمينة عن كيفية حصوله عليها قال لها إنه حصل عليها بطريقته الخاصة، ولن يكتشف أحد أبدا مهما كان أنها مزورة.

وهكذا عادت أمينة المفتي إلى بلادها في سبتمبر سنة 1966 وهي تحمل بين يديها شهادة الدكتوراه التي جلبها لها حبيبها موشيه بيراد، وفرح بها أهلها كثيرًا وأقاموا لها الكثير من الإحتفالات التي تليق بابنتهم التي حصلت على شهادة الدكتوراه.

زواجها وتغيير اسمها إلى "آني موشيه بيراد"..

تمر أمينة بعدد من الأحداث في حياتها ويتم اكتشاف شهادتها المزورة، ومن ثم تقرر العودة مرة أخرى إلى فيينا، إلى أن يفاجأها "موشيه" في ديسمبر 1968 ويطلب منها الارتباط بالزواج رسميًا، ففرحت وتهللت فهذا ما تتمناه بالفعل.

إلا أنه اشترط عليها أن تعتنق اليهودية أولًا حتى يتثنى لهما الزواج، فما كان منها إلا أن وافقت على الفور بعد أن قالت له إنها لم يعد لها أهل ولا وطن ولا دين إلا هو.

بعد ذلك غيرت أمينة اسمها إلى "آني موشيه بيراد"، وعاشا معا في مكان مجهول بعيدًا عن الأنظار في فيينا، لكنها ظلت تحمل بداخلها خوفًا من المجهول، فبقدر كرهها ومقتها لكل ما هو عربي، أصبحت تخاف وتخشى أن يراها أو يتعرف عليها أحد من معارفها فيخبر عنها أهلها.

تحكمت فيها الوساوس من أنها أصبحت مطاردة من أهلها، كما أنها تعتقد أن عمها الضابط الكبير بالقصر الملكي الأردني يبحث عنها عن طريق جهاز الإستخبارات الأردنية، نعم هم لا يعرفون أنها تركت دينها وتزوجت يهوديا، لكنهم من المؤكد أنهم يبحثون عن ابنتهم التي هربت منهم وتركتهم وجلبت لهم العار، ولن يهدأوا حتى يعثروا عليها وينتقموا منها.

موت زوجها و سفرها إلى بيروت..

سافر موشيه في 29 يناير 1973، بطائرته القاذفة الهجومية الخفيفة اسكاي هوك Sky Hawk  شمال إسرائيل، ويجتاز الأجواء السورية وتسقط طائرته قاذفات الدفاع الجوي السوري بصاروخ أرض/جو، لتعلن سوريا بعد ذلك عن إسقاطها الطائرة التي اخترقت مجالها الجوي، وأن الطائرة قد احترقت بقائدها، بينما أعلنت إسرائيل عن إصابة الطائرة وسقوطها وفقدان قائدها.

فور علم أمينة بالحادث، دخلت في صدمة عصبية أفقدتها القدرة على النطق مما نتج عنه نقلها إلى إحدى مستشفيات الأعصاب، ومكثت في المستشفى مايقرب من شهرين.

بعد أن أفاقت أمينة من صدمتها، سافرت إلى بيروت والتي أخذت تتجول فيها بحرية تامة دون حذر أو خوف، لما كانت تتمتع به بيروت تحرر وانفتاح.

تعرفت هناك بامرأة أردنية الأصل تمتلك محلا للملابس اسمها "خديجة زهران"،

مما دفعها لزيارة عددًا من التجمعات الفلسطينية بالبلاد، وأخذت تتسلل بين صفوفهم  بغية معرفة مصير زوجها عن طريقهم، لكن باءت جميع محاولاتها بالفشل، فلم تصل إلى أي معلومة تفيدها في معرفة مصير زوجها المفقود.

spionageiraq

العودة إلى فيينا وبداية طريق الجاسوسية..

في خضم حالة اليأس التي كانت تعيشها أمينة ظهر لها ثلاثة رجال من السلطات الإسرائيلية، وطلبوا منها التعاون معهم حتى يستطيعوا جلب أي أخبار عن زوجها موشيه، وحاولوا التأثير عليها بتذكيرها بمأساتها بفقدها لزوجها، وركزوا أكثر على حاجتها للمال وكراهيتها للعرب، فوافقت على الفور دون أدنى مقاومة أو استفسار، فقد كانت أمينة المفتي مستعدة للتعاون مع الإسرائيليين كراهية في العرب فقط ودون أي مغريات.

قدمت أمينة عدد من الخدمات لإسرائيل، حتى أنها في فترات حرب 1973، كانت تشعر بمرارة وحقد شديدين تجاه العرب.

طلب "الموساد" منها السعي لمحاولة التنصت على تليفونات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، كما طلبوا منها محاولة التعرف على أخطر شباب منظمة التحرير الفلسطينية والملقب بالأمير الأحمر والذي يعده ياسر عرفات لخلافته في رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية.

كانت من أهم التعليمات التي وجهتها قيادات جهاز الموساد لعميلتهم في لبنان أمينة المفتي محاولة تقصي آثار "الأمير الأحمر"، وكذلك محاولة التقرب إليه ثم التعرف عليه بأي وسيلة، ومحاولة رسم صورة له في خيالها وحفظ هذه الصورة وإيصالها للموساد ليسهل على رجال الموساد التعرف عليه ثم التخلص منه بعد ذلك، والسبب أن رجال الموساد جميعا كانوا يجهلون صورته وملامح وجهه.

بمساعدة من عميلها "مارون الحايك" استطاعت أمينة المفتي أن تتوصل للأماكن التي كان يتردد عليها الأمير الأحمر وخصوصًا فندق الكورال بيتش، وهناك أشار لها تجاه شاب يجلس إلى إحدى الموائد وأخبرها أنه هو علي حسن سلامة الملقب بالأمير الأحمر، وهكذا ولأول مرة في تاريخ جهاز الموساد ترى عميلة له الأمير الأحمر رؤيا العين وترسم له صورة في خيالها.

لقاءات مع الأمير الأحمر..

تعددت لقاءت أمينة المفتي بالأمير الأحمر علي حسن سلامة الذي قدم لها نفسه على أنه كمال ياسين رجل الأعمال الفلسطيني، وبالطبع فقد كان حريصًا على إخفاء شخصيته الحقيقية كعادته، كما أنها كانت حريصة في أحاديثها معه وتخاطبه بصفته التي قدم نفسه بها إليها، حتى طلبت منه استغلال نفوذه في مساعدتها في مهمتها وسعيها للعمل كطبيبة متطوعة لعلاج الجرحى في المخيمات الفلسطينية بالجنوب اللبناني.

وبالفعل عاونها وتوسط لها فانفتحت أمامها جميع الأبواب المغلقة، بل وتطورت علاقات أمينة المفتي بالقادة الكبار في المنظمات الفلسطينية المختلفة، حتى جاء يوم قابلها فيه الزعيم ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وصافحها وقال لها: "إننا نفخر بالمتطوعات العربيات من أمثالك"، وقابلته بعدها كثيرًا، وفي إحدى لقاءاتها به قدمت له تقريرا عن السلبيات والمشاكل الموجودة داخل المخيمات والتي تعوق عملها كطبيبة تقوم بمداواة الجرحى، فأبدى اهتمامه بالتقرير وأوصى مدير مكتبه بالتحقيق في الأمر، كما أوصى بعلاج هذه المشاكل، وبذلك تقربت منه أكثر وازدادت ثقته فيها أكثر وأخبرها أن مكتبه مفتوح لها في أي وقت، بل والأكثر من ذلك كله أنها حصلت منه على تصريح يضمن لها التحرك في أي مكان.

وهكذا كانت أمينة المفتي في الظاهر تضمد جراحات المصابين في مختلف المخيمات الفلسطينية بالجنوب اللبناني، وتبث فيهم روح الإرادة والحماس لاستكمال العمل الفدائي، بينما كانت عيناها في الحقيقة تلتقط صورا لكل ما تقع عليه داخل المخيمات وتخزنه في الذاكرة، وكانت أذناها كجهاز التسجيل تسجلان كل ما يصل إليهما، وحفظت أسماء القادة الفلسطينيين وعلمت كل شيء عن أنواع وأسماء الأسلحة التي كان يستخدمها الفدائيون الفلسطينيون.

Image result for ياسر عرفات

شكوك من الأمير الأحمر وسقوط آنى موشيه..

شكوك كانت تحاصر الأمير الأحمر تحاه أمينة أكدتها معلومات حصل عليها من أوروبا عن طريق أحد الشبان الفلسطينيين القاطنين بـ"فيينا"، تكشف حقيقتها فأمر بتشديد المراقبة عليها.

ولأنها كانت على درجة عالية من التدرب شعرت أمينة أنها تحت المراقبة، فقررت الهرب من لبنان، لكن عند تنفيذها لهذا القرار وجدت رجلان من الأمن يقيدانها، ولم تقدر حتى على تناول كبسولة "سم السيانيد".

تم القبض على أمينة المفتي دون وجود دليل يثبت أنها عميلة للموساد، فكان القبض عليها نظرًا للشكوك التي أحاطت بها ليس أكثر، وتم وضعها مكبلة بالأغلال في سجن في أحد الكهوف، واستخدمت معها جميع الوسائل لاستجوابها، حتى أنهم عذبوها كثيرًا ولكنها لم تعترف بأي شيء.

وأمام صمودها هذا قامت المخابرات الفلسطينية، بعمل حيلة حيث قاموا بقتل عميلة أخرى للموساد ظنًا منهم أنها ستتحدث، إلا أنها على مما نزل بها من تعذيب، ورغم ما صارت إليه في محبسها إلا أنها لم تندم مطلقًا، بل أنها استغلت فترة حبسها الإنفرادي لتفكر بهدوء في كيفية تجهيز نفسها لخوض المعركة القادمة ضد العرب، فقد كانت واثقة تماما بأن الإسرائيليين لن يتركوها هكذا.

حتى أنها أقنعت أحد حراس محبسها "غسان الغزاوي" أنها بريئة من تهمة الجاسوسية، وطلبت منه أن يسعى لتهريبها مقابل مكافأة كبيرة، وبالفعل وافق وسعى في ذلك لكي يسافر معها إلى إسرائيل ويحظى بالمكافأة الكبيرة، ولكن تم ضبطه وهو يحاول إدخال بذلة عسكرية إلى محبسها، وتمت محاكمته وإعدامه رميًا بالرصاص جزاء خيانته.

Image result for الأمير الأحمر

تسليمها للموساد الإسرائيلي مقابل أسرى فلسطينين..

بعد مرور 5 سنوات على القبض عليها تم إجراء عملية تبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث تم الإفراج عن الجاسوسة أمينة المفتي عميلة الموساد مقابل اثنين من الأسرى الفلسطينيين، وقد أثارت هذه العملية كثيرًا من الجدل وقتها، حيث كان الكثيرون ضد تسليمها ويطالبون بقتلها جزاء ما فعلت بإخوانهم.

احصائيات كورونا في مصر

اترك تعليقاً