نجاح الموجى.. هرم الكوميديا شهيد الانتظار

فى شهر يونيو من عام 2014، أى قبل خمس سنوات تقريباً، عشت تجربة مريرة بعدما رزقنى الله بطفلى الثانى ياسين، الذى ولد، ولديه عيب خلقى خطير فى منطقتى القصبة الهوائية والمرىء يمنعه من التنفس والأكل، ولن أحكى عن المعاناة والقهر والألم الذى عشته حتى أتمكن من إيجاد مكان له فى المستشفى ليجرى العملية الجراحية لتعديل مسار المرىء والقصبة الهوائية فى أقرب وقت، ولكن يكفى أن أقول لك معاناتى مع سيارات الإسعاف وما تركته بداخلى من غصة ومرارة ما زال طعمها فى حلقى حتى هذه اللحظة.

وفور ولادة ياسين فى أحد مستشفيات مدينة الزقازيق مسقط رأسى، كان لزاماً علىَّ أن أنقله لمستشفى بنها التخصصى للأطفال لإجراء الجراحة لأنهم المتخصصون فى هذه النوعية من الجراحات، وبما أن الطفل حالة خاصة فكان لا بد من نقله بسيارة إسعاف مجهزة بأجهزة تنفس، واتصلت بالإسعاف لأفاجأ بهم يطلبون منى الحضور إلى مقرهم ودفع ثمن الخدمة مقدماً، وعندما سألت عن المبلغ وجدته مبالغاً فيه جداً، فى وقت كنت أبحث فيه عمن يساعدنى خوفاً من تكاليف الجراحة وما قد يتبعها من مصروفات، ليجبرونى على نقله بسيارتى الخاصة، وتعريض حياته للخطر.

تذكرت هذا الموقف وأنا أقرأ عن الفنان الكوميدى الراحل نجاح الموجى، وهو يموت حرفياً فى انتظار عربة إسعاف تقله إلى المستشفى لإنقاذه بعد إصابته بأزمة قلبية مفاجئة، ليفارق الحياة بعد انتظار دام أكثر من ساعتين دون أن تصل سيارة الإسعاف، ليموت صانع البهجة وهو حزين يعتصره الألم ولا يجد من يخفف عنه ويعطيه أبسط حق من حقوقه أن يصل إلى المستشفى للعلاج.

والباحث فى حياة الفنان نجاح الموجى سيجدها مليئة بالمواقف الإنسانية التى تجعل منه بطلاً حقيقاً ليس فى مجال التمثيل، وإنما فى الحياة بداية من طفولته التى شهدت وفاة 8 من أشقائه، واستقواء أولاد الجيران عليه؛ بسبب ضعفه ونحافته وإطلاق اسم «قرقر» عليه، وإصراره على تخليد اسم شقيقه بدلاً منه.

حكاية قرقر

وفى قرية ميت الكرماء بمركز طلخا فى محافظة الدقهلية ولد عبدالمعطى محمد الموجى وهو اسمه الحقيقى، فى 11 يونيو من عام 1945، وقد أنجبت والدته 11 شقيقاً توفوا جميعاً ولم يتبق منهم سوى ثلاثة أشقاء فقط.

عاش محمد الموجى وزوجته التى هى فى الأصل ابنة عمه وأولاده الثلاثة فى ميت الكرماء فترة من الزمن؛ حيث كان يعمل «دويق دخان»، وهى مهنة تقوم فى الأساس على وجود شخص خبير فى شرب الشيشة يقوم بتذوق «المعسل» ليعرف مدى تركيزه وتأثيره على الزبون، ولكن بسبب ضيق الحال وكثرة المصروفات اضطرت الأسرة للانتقال إلى القاهرة، حيث الرزق الواسع وفرص العمل الأكثر إتاحة منها فى الأقاليم.

تربى «عبدالمعطى» فى منطقة حدائق القبة، وعاش فترة صعبة، خاصة بعدما أطلق عليه أصحابه من أولاد الجيران اسم «قرقر؛ حيث كان جسده هزيلاً يتسم بالنحافة الشديدة، وهو ما جعله يتعرض للعديد من المضايقات والتنمر من أبناء المنطقة.

الفشل يخلق النجاح

وأثبت «عبدالمعطى» صدق مقولة، أن الفشل يخلق النجاح فقط عليك بالإرادة، فبعد صبر وتعب من والده فى إلحاقه بالثانوية العامة، التحق بكلية التجارة، ولكن رسوبه فى مادة اللغة الإنجليزية أصابه بحالة من الإحباط، فقرر تحويل أوراقه إلى المعهد العالى للخدمة الاجتماعية ليدرس فيه ويتخرج بتقدير عالٍ، ويتم تعيينه فى وزارة الثقافة، ليبدأ رحلة وظيفية تنتهى به وكيلاً للوزارة.

وفى إطار سعيه لتحقيق حلمه بأن يصبح ممثلاً وأن ينمى موهبته التى بدأت منذ صغره قرر «عبدالمعطى» عقب حصوله على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية أن يلتحق بالمعهد العالى للفنون المسرحية ليدرس التمثيل، ولكنه كان يرسب، ليكرر المحاولة مرات ومرات وكانت النتيجة واحدة الفشل، ليصمم على تحويل الفشل إلى نجاح، وينضم إلى فرقة ثلاثى أضواء المسرح، ويبدأ خطوات جادة فى طريق نجوميته وتقديم نفسه كممثل ناجح حتى وإن فشل فى دخول المعهد.

تغيير اسمه

حتى هذه اللحظة كان «عبدالمعطى» يعيش باسمه، إلى أن بدأ مرحلة احتراف الفن، فقرر تغيير اسمه ويختار له اسماً فنياً، وبعد طول تفكير اختار اسم «نجاح» وهو اسم شقيقه الأكبر منه بعشر سنوات، والذى كان يدعمه نفسياً ومعنوياً ومؤمناً به وبموهبته، وفى نفس الوقت كان متقاعداً فقرر أن يسعده بأن يصبح اسمه الفنى «نجاح»، ليعيش بهذا الاسم باقى حياته.

 

بداية نجاح

وبدأ نجاح أولى خطوات احتراف الفن، ولكنه لم ينس عمله الحكومى كموظف فى وزارة الثقافة، ففى الصباح يذهب إلى عمله كـ«عبدالمعطى» وبعد الظهر يذهب لفنه كـ«نجاح»، وبدأ مشواره بمسرحية «الحواديت»، ليرشحه بعدها الفنان ​جورج سيدهم​ الذى كان له تأثير كبير وبصمة واضحة عليه فى مشواره الفنى، ففى عام 1969 اتفق معه المخرج محمد سالم والفنان جورج سيدهم على تقديم دور صغير فى مسرحية «فندق الأشغال الشاقة»، ليكون هذا الدور بداية النجاح.

إخفاق فى الإذاعة

وفى مطلع السبعينيات، وبعد معرفة الجمهور بأن هناك ممثلاً اسمه نجاح الموجى، جاءته فرصة تقديم عمل للإذاعة المصرية، وبالفعل انضم نجاح إلى الإذاعة وبدأ التحضير لعمل فنى كبير، واستقر فى النهاية على برنامج حمل اسم «مسرح الكاريكاتير»، وكانت المفاجأة إخفاق العمل الذى لم يكتب له النجاح.

وكعادته دائماً فى تحويل الفشل إلى نجاح، بدأ الفنان نجاح الموجى رحلته لاستعادة نفسه ومكانته التى أثرت عليها البرنامج الإذاعى، ليشارك فى عام 1973 فى مسرحية «جوليو ورومييت»، مع الفنانين جورج سيدهم وسمير غانم، لتكون محطة انطلاق جديدة له.

حكاية مزيكا

ورغم كثرة الأدوار والأعمال التى قدمها الفنان نجاح الموجى سواء للمسرح أو للسينما، فإنَّ شخصية «مزيكا» فى مسرحية «المتزوجون» تظل واحدة من أهم وأبرز أعماله، ولهذه الشخصية التى رأها الجمهور على شاشة التليفزيون قصة عجيبة، فكما ذكرت قبل قليل أن الفنان جورج سيدهم، شفاه الله، كان من أهم الداعمين لنجاح الموجى والمؤمنين به وبموهبته، وقد رشحه للعمل فى المسرحية التى يقوم ببطولتها مع صديقه، آنذاك، سمير غانم، وكان دور مزيكا صغيراً لا يتجاوز 14 جملة فقط.

وبدأ عرض المسرحية، وفوجئ الجميع بتفاعل الجمهور الموجود فى قاعة العرض مع جُمل وحركات نجاح الموجى، ليقوم الفنان جورج سيدهم وهو منتج المسرحية بضرب موقف إنسانى عظيم ينم عن شخصيته كفنان لا يفكر سوى فى الفن ولا ينظر لأى شىء آخر، حيث طلب من مؤلف العرض الكاتب فيصل ندا، أن يقوم بزيادة مساحة مزيكا وإعطائه فرصة أكبر للوقوف على المسرح واستغلال النجاح الذى يحققه يومياً، لتخرج شخصية «مزيكا» بالشكل الذى نراه الآن على شاشة التليفزيون.

4 جنيهات تشعره بالمهانة

«تحقيق النجاح سهل وأسهل مما تتخيل.. الصعب هو المحافظة عليه»، تذكرت هذه الجملة التى قالها لى ذات مرة أستاذى ياسر حسن، مدرس الدراسات الاجتماعية، وأنا فى المرحلة الإعدادية، وهى الجملة نفسها التى حرص الفنان نجاح الموجى على تنفيذها، فقد عاش أياماً صعبة بعد رفضه تقديم أدوار ثانوية أو أعمال مقاولات مرة أخرى، فى محاولة منه للمحافظة على النجاح الكبير الذى حققه فى مسرحية «المتزوجون»، وعدم النزول بمستواه مرة أخرى.

ولك أن تتخيل عزيزى القارئ أن يجلس فنان فى حجم موهبة نجاح الموجى أربع سنوات كاملة فى البيت دون عمل مناسب يقدمه للجمهور، حتى اضطر فى عام 1984 لقبول العمل فى سهرة تليفزيونية مقابل 4 جنيهات، ليشعر بالمهانة وقتها ويرفض تقاضى هذا المبلغ الزهيد بعد انتهاء التصوير.

عيل وغلط

«عيل وغلط» هى كلمة دارجة دائماً ما نقولها عندما يخطئ أحدنا فى اختياراته، وهى الكلمة نفسه التى قالها نجاح الموجى لنفسه عقب انفصاله عن فريق ثلاثى أضواء المسرح، وابتعاده عن جورج سيدهم الذى كثيراً ما ساعده، وهى أيضاً اسم المسرحية التى قدمها عقب انفصاله عن الفرقة وقرر أن يشارك فيها ليثبت تواجده كممثل كوميدى له جمهوره، ليفاجأ بفشلها فشلاً ذريعاً لدرجة أنه كان يبكى كل ليلة أثناء تقديمها واعتبرها أول وآخر فشل فى حياته الفنية.

 

السنيد يكسب

بعد فشل مسرحية «عيل وغلط»، قرر «نجاح» أن يعيد حساباته واتخذ قراراً بأن يختار أدواره بعناية، وأقنع نفسه بأن أدوار السنيد هى الرابحة خاصة إن كانت مكتوبة بشكل جيد، ليقدم ما يزيد على 150 عملاً فنياً استطاع من خلالها أن يثبت موهبته ووجوده كفنان من العيار الثقيل صاحب موهبة من نوعية السهل الممتنع.

ولعلك تذكر شخصيات مثل «مصطفى» فى فيلم «أيام الغضب» مع نور الشريف وهى الشخصية المرحة التى قدمت أغنية «اتفضل من غير مطرود» خلال أحداث الفيلم وبسببها حصل على جائزة أفضل ممثل من مهرجان دمشق، و«سريع» فى فيلم «أربعة فى مهمة رسمية» أمام ​أحمد زكى، و«الهرم» تاجر المخدرات فى فيلم «الكيت كات» مع الفنان محمود عبدالعزيز، و«طأطأ» مع كمال الشناوى فى فيلم «طأ طأ وريكا وكاظم بيه»، وغيرها من الأعمال المهمة، التى كان آخرها مسلسلى «الشارع الجديد» عام 1997، و«نحن لا نزرع الشوك» عام 1998.

 

لا مؤاخذة يا أنغام

ومن ضمن المآسى التى عاشها الفنان نجاح الموجى كان تهديده بدخول السجن عقب صدور حكم قضائى عليه بالسجن لمدة عام وغرامة ألف جنيه، بعد سخريته من الفنانة أنغام فى أحد أعماله المسرحية التى حملت اسم «لا مؤاخذة يا منعم» وعرضت فى مطلع التسعينيات، حيث قال عنها «ألغام» فى خروج واضح عن النص الذى كتبه مؤلف العمل، لتقوم أنغام برفع دعوى قضائية وتحصل على حكم بحبسه وتغريمه، قبل أن يتم الصلح بينهما وتتنازل عن الدعوى القضائية.

ولمن لا يعرف فقد كان نجاح الموجى مثل الفنان سعيد صالح فى خلافاتهما الدائمة مع كتاب ومؤلفى أعمالهم المسرحية، حيث كانا يتبعان المدرسة نفسها تقريباً وهى الارتجال والخروج عن النص، والذى كان يعرضهما دائماً للعديد من المشاكل مثل السجن.

 

سلم لنا ع التروماى

وبعد تحقيق أغنية «سلم لنا بقى ع التروماى» التى قدمها نجاح الموجى فى فيلم «أيام الغضب» وتحقيقها نجاحاً جماهيرياً مدوياً كان من ضمنها كما سبق وذكرت حصوله على جائزة أفضل ممثل من مهرجان دمشق السينمائى، فقد عرض أحد أصدقاء «نجاح» عليه تقديم ألبوم غنائى يجمع فيه الأغنيات والمنولوجات التى قدمها فى أعماله مثل أغنية «حنكورة» و«بستك ناو» وغيرها.

وعقب اقتناع «نجاح» بالفكرة بدأ على الفور فى تنفيذها، وبدأ يسجل الأغنيات من جديد، وبالفعل سجل «شريط كاسيت» غنائياً يضم 6 أغنيات لكن الرقابة رفضت توزيعه؛ لأنه ليس مطرباً، ليصاب بصدمة كبيرة، خاصة أنه كان المنتج وتكبد خسائر مادية كبيرة.

 

أزمة إسعاف

وإذا كنت قد ذكرت فى أول الموضوع الأزمة التى تعرضت لها حينما طلبت سيارة الإسعاف منى مبلغاً كبيراً لنقل طفلى المريض من مستشفى بالزقازيق لآخر فى بنها، فإنى أذكر الآن سيارة الإسعاف الأخرى التى تأخرت قرابة الساعة لتنقله من مستشفى الجامعة لمستشفى الأطفال التخصصى فى المدينة نفسها، وهو تقريباً نفس ما حدث مع الفنان نجاح الموجى.

ففى يوم الخميس 25 سبتمبر من عام 1998 تعرض الفنان نجاح الموجى لأزمة قلبية، بعد عودته من تقديم دوره فى مسرحية «سيدى المرعب»، فبعد وصوله للمنزل بدأ يشعر بآلام كبيرة وعدم قدرة على التنفس، لتتصل زوجته بالإسعاف ويقف هو فى بلكونة شقته يقول «يارب»، وبعد تأخرها قامت بالاتصال بشرطة النجدة بعدها لكى تتدخل وتنقذ إنساناً من الموت، لتصل الإسعاف بعد ساعتين بالتمام والكمال وبعد أن تكون روحه الطيبة قد صعدت إلى بارئها، عن عمر يناهز 53 عاماً.

وفى اليوم التالى وعقب أداء آلاف المصلين صلاة الجمعة بمسجد رابعة العدوية يتم أداء صلاة الجنازة على عبدالمعطى محمد الموجى، ويشيع جثمانه إلى مقابر العائلة بمنطقة المجاورين، وسط دعوات المصلين له بالرحمة والمغفرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*