مصر تغرّد خارج سرب تباطؤ الاقتصاد العالمي

في ظل حالة التباطؤ الاقتصادي التي تعانى منها غالبية دول العالم، تارة بسبب استمرار الانخفاض النسبي في أسعار النفط، وأخرى بسبب الصراعات السياسية والتجارية، خاصة بين أمريكا والصين، لذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ما الذي تحمله الفترة المقبلة للاقتصاد المصري؟ وهل سيدخل دوامة التباطؤ مثل بقية دول المنطقة، أم سيغرد خارج السرب؟

 ثمة 3 دلائل نستطيع أن نستخلص منها الإجابة عن هذا السؤال الشائك، أولا: الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم تخطت مرحلة التكهنات والرؤى المستقبلية إلى واقع مرير، رصده صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير "آفاق الاقتصاد العالمي 2019"، الذي يرجّح من خلاله أن يتراجع النمو الاقتصادي العالمي  ليصل إلى 3.3% خلال العام الجاري، بدلاً من 3.6% في 2018 ،  و أن يشهد النصف الثاني من العام الجاري مزيدًا من التباطؤ بفعل التوترات التجارية، واحتمال خروج مضطرب لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانعكاس ذلك على اقتصاد القارة العجوز ( أوروبا) والاقتصادات المرتبطة بها، كما تمتد حالة التباطؤ لتشمل كلا من الصين وأمريكا بسبب تشديد الإجراءات التنظيمية، وزيادة التوترات التجارية، فيما بينهما.

ثانيا: مصر التي توجد في قلب الشرق الأوسط المشتعل بالنزاعات والاضطرابات، أصبحت تحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث معدلات النمو بـ 5.6%، وفق قائمة "الإيكونومست"، في حين تأتى الصين في المرتبة الأولى، بمعدل نمو يقدر بنحو 6,4%، تليها الهند في المرتبة الثانية بمعدل نمو يقدر بنحو 5,8%. وترجع تلك الطفرة التي تشهدها مصر للإصلاحات الاقتصادية، التي لم تتردد القيادة السياسية في القيام بها منذ 3 سنوات، وبفضلها الآن أصبحت "أم الدنيا" تغرّد خارج سرب التباطؤ الاقتصادي العالمي. وتحظى بإشادة صندوق النقد الدولي، الذي أكد في تقرير أخير أن الاقتصاد المصري، أحرز تقدمًا كبيرًا يدلل عليه النجاح المحقق في استقرار الاقتصاد الكلي وتعافي النمو. كما انخفضت البطالة إلى نحو 8%، وهو أدنى معدل تحقق منذ 20 عامًا.

ثالثا: تشكل الحماية الاجتماعية لتحسين مستويات المعيشة حجر زاوية في برنامج الإصلاح، وقد اتخذت الحكومة المصرية، بشهادة صندوق النقد الدولي، عدة مبادرات في هذا الصدد، منها: زيادة قيمة الدعم النقدي على السلع الغذائية بأكثر من الضِعْف من خلال بطاقات التموين الذكية من 21 إلى 50 جنيهًا لكل مواطن، وزيادة تحويلات الدعم لألبان الرُضع وأدوية الأطفال؛ وكذلك التوسع في معاشات التضامن الاجتماعي لتشمل الرعاية الطبية، مع التوسع في تغطية برنامج "تكافل وكرامة" ليشمل 2,2 مليون أسرة إضافية، وزيادة المبالغ المقدمة؛ بالإضافة إلى رفع المزايا التقاعدية، خصوصًا لأصحاب المعاشات التقاعدية المتدنية؛ كما اتجهت الحكومة أيضا إلى صرف علاوة استثنائية لموظفي الحكومة أخيرًا، لتعويض آثار التضخم المرتفع؛ وكذلك تقديم وجبات مدرسية مجانية وتوصيلات غاز جديدة للمناطق الفقيرة؛ مع زيادة حد الإعفاء من الضرائب على الرواتب المحلية. وقد تم استخدام بعض الوفورات التي حققتها إصلاحات الدعم لتخفيف أثر إصلاح أسعار الطاقة على محدودي الدخل. ومن المتوقع استمرار هذه الجهود في الفترة المقبلة.

أخيرًا وليس آخرًا، ينبغي أن تواصل الحكومة المصرية المُضيّ في الإصلاحات الرامية إلى تحسين مستويات المعيشة، وخلق فرص العمل، وتحسين فرص الحصول على التمويل والأراضي  بالنسبة لجيل الشباب لإقامة مشروعات للحد من البطالة، وانتظار الوظائف ذات الدخل الشهري الثابت، وسيتعين على الشعب أن يواصل دعمه لتلك الجهود بالصبر  والعمل والكفاح، فعن قريب سوف ننعم بمصر أخرى قوية تأكل من حُرّ مالها،  ولا يعتمد  اقتصادها على القروض أو المعونات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*