فوق بركان ثائر

منذ فترة ومنطقة الخليج العربي تبدو على صفيح ساخن، وكلها أزمات تفوح منها رائحة التعمّد، كأن هدوء المنطقة أمر غير مرحب به، فمنذ انسحاب الجانب الأمريكي من اتفاقية العمل المشترك، التي كانت قد وقعت بين الدول الدائمة بمجلس الأمن وإيران، المعروفة بالاتفاق النووي مع إيران، حيث أعلن الجانب الأمريكي انسحابه، متذرعًّا بأنها اتفاقية أحادية المصلحة لإيران، ورغم حجم الاعتراضات والتنديدات على الانسحاب الأمريكي من داخل الولايات المتحدة، التي كانت أكثر تبريرًا وأعلى صوتًا من التأييد، فإن ترامب، الرئيس الأمريكي، أصر على موقفه، وقد أعاد العقوبات على إيران، وفرض عليها حصارًا اقتصاديًا شاملاً تم تخفيفه بموجب حكم محكمة العدل الدولية، التي سمحت للسلع الإنسانية الأساسية بالخروج من نطاق الحصار، بينما ردت إيران بأن فاجأت العالم باستئناف تخصيب اليورانيوم، متجاوزة 3.67%، وهي الخطوة التي قوبلت باستنكار، ثم بالتقليل من أهميتها من المجتمع الدولي، الذي فشل مسبقًا في رفع الحصار الاقتصادي المفروض على إيران بعد الانسحاب الأمريكي من اتفاقية العمل المشترك.

تبدو الأزمة الأخيرة بتوقيف واحتجاز ناقلة نفط إيرانية في المياه الدولية قبالة السواحل الإسبانية عند مضيق جبل طارق، من البحرية الملكية البريطانية، بضغط وإيعاز من الولايات المتحدة، بدعوى أنها تخترق العقوبات المفروضة من الاتحاد الأوروبي على سوريا، كتصرف استفزازي لطهران، وكان من الطبيعي أن يتوقع العالم ردة فعل من الجانب الإيراني، فقد بدأت إيران بإسقاط طائرة تجسس أمريكية بدون طيار، ادّعت أنها تجاوزت الحدود الدولية إلى حدودها، ثم احتجاز ناقلة نفط بريطانية، ولم تكتفِ بهذا، بل أعلنت أنها جاهزة لكل أشكال الردع، ثم قامت بخطوة تصعيدية تنال من الكرامة البريطانية، حيث أنزلت علم بريطانيا من على السفينة المحتجزة قُبالة السواحل العُمانية، ورفعت عليها علم إيران، فهل طهران تسعى لإحراج واشنطن، حيث دفعت ببريطانيا وورّطتها في مشكلة مع إيران بالوكالة عنها؟ أم أن هذا التصعيد الإيراني فقط لكسب مراكز تفاوضية، قد تنهي أو تُخفف من الحصار المفروض عليها؟

طهران، منذ عقود تعمَد نحو صنع حروب ونزاعات صغيرة عبر وكلائها، بهدف زعزعة أمن المنطقة العربية، فهي تؤثر على عدة عواصم، منها دمشق، كما أنها تدعم أعمالًا تخريبية ضد دول أخرى عربية، في طليعتها السعودية والبحرين، ومن خلال أعمال استفزازية تجعل من مياه الخليج العربي، وهو "أهم ممرات النفط عالميًا" ممرًا ملاحيًا غير آمن، بما يضر بمصالح دول الغرب المُستهلِك الأكبر للنفط العربي، مما دفع بتلك الدول لبحث تأمين سفنهم بطرق شتى.

من وجه نظري؛ أرى أن سياسة ترامب على الجانب الآخر تختلف عن سياسات أسلافه، فقد نجح في جلب المال من دون حروب، وهذا زاد من شعبيته، فقد اعتمدت سياسته على التلميح بإشعال حروب محتملة، ليبتزّ بها مَن يُضارون من ويلاتها إذا وقعت، كما أنه يعزز بتلك السياسة فرص بيع السلاح الأمريكي لدى حلفاء واشنطن، وهذه مقصودة من ترامب، الذي يسعى لخوض انتخابات هادئة دون أن يزعج الرأي العام الداخلي في بلاده، ربما تتغير توجهاته حال فوزه المنتظر.

في المقابل، تنتظر بريطانيا الثأر لكرامتها عقب اختيار رئيس الحكومة الجديد، خلفًا لتريزا ماي، مما يدفع بالمنطقة العربية إلى فوهة بركان قد يثور في أي لحظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*