auhv

فضيحة في مهرجان شرم الشيخ

المصدر: محمد إبراهيم طعيمة
2129 مشاهد

تابعت عن كثب كل ما حدث فى الدورة الثالثة من مهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية، والذى شهد مهازل يندى لها الجبين منذ اللحظات الأولى لافتتاحه، وحتى إسدال الستار على فعالياته يوم الجمعة 8 مارس، بشكل يجعل أى مصرى غيور على بلده يطالب الدولة بمراجعة خريطة المهرجانات السينمائية فى مصر، وتقنينها بالشكل الذى يناسب اسم وتاريخها فى هذا المجال، بدلاً من الإساءة لها وتشويه صورتها بهذا الشكل الغريب.

ولا أعلم حتى كتابة هذه السطور، سر إصرار لجنة المهرجانات بوزارة الثقافة، برئاسة المخرج عمر عبدالعزيز، على السماح بإقامة هذا المهرجان الذى فشل من قبل فى الأقصر قبل نقله إلى شرم الشيخ، ومنحه دعماً مادياً من أموال الدولة، رغم ما عاناه من فشل ذريع فى دورته السابقة، والتى قام المسئولون عنها بالتطبيع مع العدو الصهيونى جهاراً نهاراً، بعرض فيلم لمنتج إسرائيلى معروف عنه كرهه وعداوته الشديدة للعرب، بل ووصل بهم التبجح إلى مهاجمة الرافضين للتطبيع مع العدو الصهيونى، الغيورين على بلدهم وعروبتهم من هذا التصرف الأهوج.

ورغم شعور الفرحة التى ملأت قلوب المحبين للسينما والعاشقين لثقافة القوى الناعمة المصرية، بتغيير إدارة المهرجان المتبجحة التى أثبتت فشلها، والإعلان عن تولى المخرج الكبير مجدى أحمد على رئاسة الدورة الجديدة، فإن هذه الفرحة تحولت إلى حسرة كبيرة بعد الكوارث التى شهدها المهرجان هذا العام، وحولته من عُرس سينمائى إلى فضيحة وإهدار للمال العام، يتطلب محاسبة المسئولين عليه.

 

احتفالية حسن الإمام

وبداية الكوارث كانت فى قرار إدارة المهرجان إقامة احتفالية بمناسبة مئوية ميلاد مخرج الروائع الراحل حسن الإمام، وهو بالطبع أمر مشكور لهم أن يهتموا بواحد من عمالقة الإخراج فى مصر، الذى ترك خلفه أكثر من مائة فيلم من ضمنها علامات من أهم الأعمال فى السينما المصرية مثل «بين القصرين»، و«أميرة حبى أنا»، و«إضراب الشحاتين»، و«حكايتى مع الزمان»، و«السكرية»، وغيرها، ولكن أسرة المخرج الراحل رفضت هذا العرض، وهذا حقهم أن يروا أن فقيدهم يستحق التكريم من مهرجان أكبر وأهم كالقاهرة السينمائى الدولى أو الإسكندرية لدول حوض البحر المتوسط، وهنا كان يجب على إدارة المهرجان أن توقف الفكرة، وتبحث عن آخرين من المهضوم حقهم لتكرمهم.

أما ما حدث فكان مفاجأة؛ حيث أصرت إدارة المهرجان على أن تستكمل فى مشروع الاحتفال بمئوية الإمام، وكأنهم استخسروا ضياع الفكرة، وثمن المكالمات الهاتفية التى أجروها مع عائلته، أو ربما وجدوا أن ما دفعوه كمواصلات أوبر لا يجب أن يضيع هباءً، ليقرروا استكمال مشروعهم، لتقوم أسرة المخرج الراحل بإرسال إنذار على يد محضر لهم تنذرهم فيه بعدم فعل أى احتفالية أو استغلال اسم حسن الإمام أو أعماله فى مهرجانهم.

وهنا للمرة الثانية كان مفترضاً أن تتوقف إدارة المهرجان عن المشروع، بل وتقدم اعتذاراً رسمياً واضحاً وصريحاً لأسرة حسن الإمام، لا أن يستكملوا المهزلة التى بدأوها، ويضعوا الاحتفالية على برنامج المهرجان.

 

فضيحة فيلم الافتتاح

ومنذ اللحظة الأولى لوصول ضيوف المهرجان إلى مدينة شرم الشيح بدأت أزمة جديدة مع صناع فيلم الافتتاح «The Crew»، والذين اعترضوا على تأخر حفل الافتتاح لأكثر من ساعتين ونصف الساعة عن الموعد المقرر له وانصراف الجمهور، ليقرروا الانسحاب من المهرجان ويصدروا بياناً بذلك، يحذرون فيه إدارة المهرجان من استغلال فيلمهم فى أى من الفعاليات.

ويبدو أن التحذيرات القانونية لا تجد طريقها لإدارة هذا المهرجان المتخبط، إذ قرر القائمون على المهرجان عرض الفيلم رغماً عن صناعه، فى اليوم التالى مباشرة، ليقوم فريق عمل الفيلم وصناعه بالتوجه إلى قسم شرطة شرم الشيخ، ويحررون محضراً ضد رئيس المهرجان بشخصه وصفته، حمل رقم ٦٦٣ لعام ٢٠١٩، يتهمونه فيه بالتعدى على حقوق الملكية الفكرية لهم، واستغلال مصنف أدبى دون الرجوع إلى صناعه، وتسهيل القرصنة على الفيلم بعدما قام عدد من الموجودين فى القاعة بتصوير أجزاء منه وعرضها على اليوتيوب.

وربما يتساءل القارئ، كيف عرض المهرجان الفيلم بعدما انسحب فريق عمله ومعهم النسخة، وهنا أود أن أشرح أن أى فيلم يشترك فى أى مهرجان داخل مصر أو خارجه، يرسل نسخة ضعيفة لكى يشاهدها المسئولون عن المهرجان ولجان المشاهدة ليقرروا هل يتماشى العمل مع لائحة المهرجان وتوجهاته ويمكن اشتراكه أم لا، وهذه النسخة غالباً لا تصلح سوى للرؤية على شاشات الكمبيوتر، وللأسف هى النسخة ذاتها التى استخدمتها إدارة المهرجان للعرض العام على الجمهور، ما يعد خيانة للأمانة واستغلال النسخة المرسلة لغير الغرض المرس له.

 

غياب الجمهور والنجوم

ولأننى أشارك وأعمل فى العديد من المهرجانات السينمائية والفنية فى مصر وخارجها منذ عام 2006 حتى الآن، فانا أعلم تماماً أن قيمة المهرجان الحقيقية تكون فى مادته كالأفلام التى يعرضها، والندوات التى ينظمها، والبرامج التى يقدمها للجمهور، فالجمهور إذاً هو الأهم فى تلك المعادلة وليس نجوم التمثيل الذين يحضرون لحفلى الافتتاح والختام ويمشون على السجادة الحمراء، وإن كان وجودهم مهماً جداً لعمل ثقل للمهرجان، وجعل الجمهور يقبل عليه.

أما ما حدث فى مهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية، فقد اختلف عن كل المهرجانات حتى المغمورة منها والتى يطلق عليها مهرجانات بير السلم فلم يحضر لحفلى الافتتاح والختام أى من نجوم أو نجمات السينما المصرية اللهم إلا عدد من الفنانين لا يتعدون أصابع اليد الواحد مثل عبير صبرى وألفت عمر أو شريف حلمى، مع كامل الاحترام لهم، ولكنهم لا يمكن أن يكونوا الواجهة لمهرجان يحمل اسم مصر، وهذا لا يقلل إطلاقاً من موهبتهم أو أعمالهم.

وفى الوقت الذى فشل فيه المهرجان الذى يتولى رئاسته المخرج مجدى أحمد على فى إحضار نجوم للحفل، فشل كذلك فى إحضار جمهور يشاهد الأفلام أو يحضر الندوات، وكأن المهرجان مقدم للكراسى الفارغة التى تم تجهيزها بعناية ليجلس عليها الجمهور الذى لم يحضر من الأساس، وهذا إهدار للمال العام يجب أن يحاسب عليه ليس المسئولون عن المهرجان فقط، ولكن لجنة المهرجانات التى وافقت على إقامة المهرجان فى شرم الشيخ.

وفكرة إقامة مهرجان سينمائى فى شرم الشيخ غير مفهومة من الأساس، لأنها مدينة ذات طابع خاص تعتمد على السياحة فى المقام الأول، والسائح الذى يأتى إلى شرم الشيخ تحديداً يكون لديه هدف واحد وهو الابتعاد عن كل وسائل الترفيه، والاستمتاع بالبحر والشمس والرمال، لدرجة أنك لن تجد السياح سوى على الشواطئ نهاراً وفى الممشى السياحى ليلاً، وبالتأكيد العمالة المصرية الموجودة هناك لن تترك عملها الذى سافرت من محافظاتهم المختلفة لأجله، كى يشاهدوا عروضاً سينمائية.

 

مجاملات بالجملة

وشهد المهرجان حالة غريبة من المجاملات غير المفهومة وغير المبررة، ففى الوقت الذى يشتكى فيه رئيس المهرجان ضعف الميزانية، وتقليل الدعم المقدم من الدولة للمهرجان، وتصريحه بأن «العين بصيرة واليد قصيرة»، تجده يفرط فى دعوة الصحفيين ووسائل الإعلام، لدرجة قيامه بدعوة 250 صحفياً وإعلامياً، وهو رقم كبير على مهرجان أن يتحمل تكاليف انتقالهم من القاهرة سواء بالطيران للصحفيين المقربين من رئيس المهرجان وحاشيته، أو بالأتوبيس لمن لا يرتبطون بصداقته، إلى جانب إقامتهم فى أحد فندق شرم الشيخ.

وحتى لا يتهمنى أحد بالتقليل من أهمية تواجد الصحفيين الذين أنا منهم، فما حدث من إدارة المهرجان هو ما دفعنى للقول بهذا؛ حيث تسببت المجاملات فى غضب عدد كبير من الزملاء الصحفيين المحترمين الذين رأوا فى تصرفات مسئولى المهرجان إهانة لهم فقاموا بالانسحاب وعادوا إلى القاهرة على نفقتهم الخاصة، أولاً بسبب التفريق بينهم وبين زملائهم فى طريقة السفر بالطائرة والأتوبيس، والثانية بسبب الإقامة فى فنادق يبعد بعضها عن مقر العروض قرابة الثلاثين كيلومتراً، ما يجعلهم يتحملون مشقة غير مبررة لمشاهدة أى عرض، أو حضور ندوة أو فعالية.

فضيحة شهادات الختام

ويأبى المهرجان أن يختتم فعالياته دون توجيه ضربة قاتلة لمصر وتشويه صورتها واسمها أمام العالم الذى تابع الحفل على الهواء مباشرة بقناة نايل سينما، بعدما استخسر القائمون على المهرجان طباعة شهادت تقدير قيمة للفائزين، واكتفوا بكتابة شهادات أقل ما يمكن وصفها أنها «مهينة» كتبت باليد، وبخط سيئ جداً.

ولك أن تتخيل عزيزى القارئ عندما يعود الفائز إلى بلده وهو يحمل شهادة تقدير من دولة فى حجم ومكانة مصر، وهى مكتوبة بخط اليد وكأن الكمبيوتر والتصميمات الحديثة لم تصل لتلك الدولة التى كانت مهد الحضارات وأصل الفن والثقافة والإبداع، ومع افتراض أنه لا يوجد جهاز كمبيوتبر وطابعة لعمل الشهادات كان يمكن الاستعانة بخطاط أو بشخص يمتلك مهارة الكتابة بخط جيد بدلاً من هذه الفضيحة التى تناقلتها الشاسات.

حسنات ضئيلة

وحتى لا نكون مجحفين، فإن المهرجان بكل ما شهده من كوارث وفضائح، اكتسب حسنات ضيئلة أولاها هى ما قدموه للفنانة الراحلة سعاد حسنى سندريلا السينما المصرية من تكريم، وقيام محافظ جنوب سيناء بوضع تمثالها فى أحد ميادين مدينة شرم الشيخ، والحسنة الثانية هى تكريم الفنان الكبير لطفى لبيب، والذى تناسته معظم المهرجانات المصرية، رغم موهبته الفذة، وأدواره التى حفرت فى أذهان الجمهور المصرى والعربى، إلى جانب تكريم الفنانة هالة صدقى التى قدمت هى الأخرى عدداً من الأدوار المهمة، ولكن ماذا تفعل هذه النقطة الصغيرة فى ذلك البحر الممتلئ بالأخطاء.

والسؤال إلى الدكتورة إيناس عبدالدايم، وزيرة الثقافة، هل ستصمتين على كل هذه المهازل التى حظى بها المهرحان؟ وإلى متى ستظل مثل هذه المهرجانات التى تسىء لمصر، تنعم بالدعم الذى يدفعه المواطن المصرى من جيبه؟

كلمات دالّة

مهرجان شرم الشيخ
////////////////
لا توجد تعليقات حتى الآن، لماذا لا تكتب واحد؟
///////////

إعلانات