مساحة اعلانية

مقالات

جيهان السنباطي

فجوة خطيرة

تتعاقب الأجيال وبينها فجوة تتسع دائرتها حينما يسود التعصب الذى يؤدى إلى التصادم الفكرى بين الأجيال المتعاقبة، فالعنصر الأساسى الذى يميز جيلاً عن آخر هو الثقافة أى وجود نظرة أخرى إلى العالم والحياة وهذه هى التى تحدد هوية كل جيل وتميزه عن السابق.

ويستمر الصراع بين الأجيال لاختلاف الرؤى بين الجيلين الشباب والكبار فتضطرب العلاقة بين الآباء والأبناء وتتبادل الاتهامات بين الجيلين، فالأبناء يتهمون الآباء بأنهم لايفهمون، وأنهم متأخرون عن إيقاع العصر، ويصفونهم بالجهلاء المتشددين غير المواكبين لتطورات العصر، بينما يتهم الآباء الأبناء بأنهم لايحترمون القيم ولا العادات ولا التقاليد وهم قليلو الخبرة ولايحترمون آراء وخبرة الكبار.

هذا الصراع يُولِد عدمَ الحوارِ، وعدمَ الرضا بين الجِيلَين، ونفورَ كلِّ طرفٍ من الآخر، هذا النفورُ قد يَصِل إلى درجةِ الصدامِ والعداء بين الآباء والأبناء الشىء الذى يهدِّد كِيَان الأسرةِ، وبنيانَ المجتمع، وهُوِيَّته بصفة عامة.

وقد يتخذ الصراع بين الأجيال أبعاداً وأشكالاً متعدِّدة: (فكريةً، ولغويةً، وثقافيةً، وسلوكيةً، وسياسيةً، ودينيةً، وتربويةً، واجتماعيةً، وفنيةً).

فالصراع الفكرى يتمثل فى الأفكار الجديدة التى يحملها جيل الشباب كالدعوة إلى الحداثة وتجاوز الموروث... والصراع اللغوى يتمثل فى التمرد على المفردات اللغوية التى يرون أنها غير مسايرة لمستجدات العصر فيبتكرون لغة خاصة بهم..

والصراع السلوكى يتمثل فى رفض الشباب كل ما اعتاد عليه المجتمع من قبل فيغير من طريقة ملابسه وتسريحات شعره ووضع السلاسل الغليظة حول اليد والعنق وكذلك يغير من طريقة المشى والحركة والكلام ويسارع فى تقليد الفنانين والفنانات ولايبالون باعتراض الآباء والأهل بل ويجدون متعة وهم يلقون المعارضة ودائماً تتردد على ألسنتهم نحن أحرار.. هذا إلى جانب السلوكيات الأخرى المرفوضة مجتمعياً ومنها الكذب والمراوغة والصراخ والإقبال على العنف داخل الأسرة وخارجها، والتدخين وشرب الخمر والمخدرات وارتكاب الفواحش.

أما الصراع السياسى فيتجلى فى انتقاد الشباب لسياسة الكبار وكفاحهم من أجل تولى مقاليد الأمور، وقد يتخذ طابعاً ثورياً أو انقلابياً، كما هو الحال فى الكثير من البلدان العربية اليوم، أو خروجه فى شكلِ مظاهراتٍ، أو انسحابٍ من السياسة، ومقاطعة الانتخابات، وتضاؤل الحسِّ الوطنى مع مرور الزمن.

وأصعب صراع هو الذى ينشأ داخل الأسرة التى تمثل عماد المجتمع فثورة الأبناء فى وجه آبائهم ومخالفتهم فى كل شىء وخروجهم عن طاعتهم أدى إلى تفكك الأسرة، فالأسرة تعيش فى اتجاه والأبناء فى اتجاه آخر، فتنقطع الصلة بينهما.

والواقع أننا لا نستطيع إلقاء اللوم على أى من الجيلين، لأن الشيوخ دائماً ما ستجدهم متمسكين بكل ما هو قديم ومألوف ويرفضون الانسياق وراء كل جديد، والجيل الجديد يميلون بشكل طبيعى إلى الانفتاح، والبحث عن كل جديد، والرغبة فى تجربة كل حديث، وكراهية كل قديم، وكل مألوف، وكسر الروتين والجمود ونتيجة هذا التباين بين الجيلين ينشأ الصراع الذى يؤدى إلى تمرد جيل الشباب على كل أو بعض تلك العادات والتقاليد التى يقدسها الشيوخ.

تلك هى الأسباب الظاهرة للكثيرين التى أدت إلى الصراع الدائم بين الأجيال ولكن هناك أسباباً أخرى يجب معرفتها وتدارك خطورتها على الجيل الجديد والتى تعتبر الأسباب الجوهرية لوجود هذا الصراع ومنها فقدان القدوة الصالحة فى المجتمع والشارع والمدرسة.. عدم وضوح المستقبل وضآلة فرص العمل المناسبة لمؤهلاتهم الدراسية والمهنية مما يؤدى إلى انسداد أفق التكيف الإيجابى داخل المجتمع.. كذلك افتقار الشباب إلى الأمان والسعادة الأسرية؛ حيث تخلت الأسرة عن دورها التربوى واهتمت بالماديات وجلب القوت وتوفير متطلبات الحياة.. إكثار الكبار من اللوم والعتاب والتوبيخ للصغار حين يخطئون أو يفشلون مما يساعد على قتل المشاعر الإيجابية بين الطرفين.. تدهور الدور التربوى للمدرسة بسبب ضعف برامجها ومناهجها... الانفتاح على الغرب وضعف الوازع الدينى.

وإذا كانت العَلاقةُ بين الآباء والأبناء تزدادُ سوءاً يوماً بعد يومٍ، وخطورتُها فى تفاقُمٍ مستمرٍّ فإن الأمرَ يَقتَضِى التعجيلَ بوضعِ الحلول المناسبة، حتى لا يَنقَلِب الأمرُ إلى ما لا تُحمَد عقباه، ومن الحلول التى يمكن اقتراحُها فى هذا المقامِ هو ترشيد توجيهات الشباب، وتنمية الوعى لديهم، وتعديل الميول عندهم، ويجب حث الشباب على أخذ كل جديد مفيد، ورفض كل حديث مضر. وتوجيه الشباب نحو الاستفادة من منجزات العصر العلمية والتقينة والمدنية، ورفض الرذائل الأخلاقية المصدرة إلينا من الغرب أو الشرق.

كما أن من الضرورى للآباء تفهم متطلبات الجيل الجديد، ومحاولة فهم ما يفكر فيه الشباب والفتيات، والاقتراب منهم أكثر، والتعامل معهم كأصدقاء فذلك هو الطريق الأقصر لمعرفة مايدور فى عقولهم من أفكار، وفى قلوبهم من عواطف، كى يتمكن الآباء (جيل الشيوخ) من توجيه الأولاد نحو الخير والصلاح والفضيلة والإيمان، ومعالجة المشاكل التى تنشأ لديهم نتيجة التغيرات الكبيرة، والغزو الثقافى والفكرى الذى يشنه الإعلام ضد عقولنا وأفكارنا وثقافاتنا.

اترك تعليقاً