جورج سيدهم.. قديس الفن المضحوك عليه

 

أعترف أننى من أشد المحبين للفنان جورج سيدهم، وللحالة الفنية الراقية التى قدمها فريق ثلاثى أضواء المسرح، قبل أن يتوفى الضيف أحمد، رحمه الله، فقد تربيت على إسكتشاتهم وأغانيهم التى قدموها فى أعمالهم السينمائية، وحفظتها منذ أن كنت طفلاً صغيراً.

استمرت حالة الحب لأعمال ثلاثى أضواء المسرح ولجورج سيدهم بالتحديد، حتى شهر يونيو من عام 2015، وقت أن كنت رئيساً لقسم الفن بموقع «مصراوى»، عندما قررت أن أكتب موضوعاً عنه وعن حياته وأعماله، لأفاجأ بكم المآسى والأحزان التى عاشها فى حياته، ولأقع فى حبه كإنسان محب لكل من حوله، عشق أهله وأصدقاءه ولم يبخل عليهم بشىء وقدم لهم كل غالٍ ونفيس، فلم يأخذ منهم سوى الغدر والخيانة والجحود، وكانوا سبباً فى مرضه وضياع أحلامه.

فقديس الفن كما أطلق عليه أصدقاؤه يرقد منذ 22 عاماً مريضاً طريح الفراش، لا يسأل عنه أحد إلا قلة قليلة، وفى أوقات معينة كيوم عيد ميلاه حينما يأتون لمنزله ومعهم تورتة ليلتقطوا صورة معه وهو على كرسيه المتحرك، ويقوموا بنشرها بعد ذلك عبر صفحات التواصل الاجتماعى الخاصة بهم ليحصدوا مزيداً من «اللايك» و«الشير».

والمتابع لحياة الفنان جورج سيدهم سيفاجأ بأن المواقف السيئة والمآسى تحتل قرابة الـ 90% منها بداية من ولادته التى جلبت معها الصراخ والبكاء فى المنزل، وصولاً لنسيان الجميع له رغم أنه كثيراً ما أضحكهم بإفيهاته وأغنياته وإسكتشاته التى ما زالت عالقة فى أذهان الجمهور المصرى والعربى.

 

ولادة يصحبها البكاء

وفى لقاء نادر له، كشف جورج الذى ولد فى 28 مايو عام 1938 بمدينة جرجا محافظة سوهاج، أن ولادته كانت متعثرة ولحظة خروجه إلى الدنيا صاحبها الصريخ والبكاء، فالأم على السرير تنتظر نزول الجنين الذى تأخر كثيراً، وبعد ساعات من الألم والتعب وصل إلى الدنيا، ولكنه وصل صامتاً لا يحرك ساكناً لدرجة جعلت الموجودين يشعرون أنه ميت وهنا بدأ البكاء والصريخ، قبل أن تحضر إحدى جاراتهم وتقوم بجلب «بصلة» وتكسيرها ووضعها على أنف الطفل الذى بدأ يفيق ويحرك رأسه ليتحول البكاء إلى فرحة وزغاريد.

 

«دكتور إلحقنى» تبعده عن الوظيفة

عقب تخرج جورج فى كلية الزراعة، التحق بالعمل فى وزارة الزراعة مديراً لمحطة تربية الجاموس بقرية أبيس بالبحيرة، أصبحت الآن ضمن محافظة الإسكندرية، واستمر يعمل بها لمدة ثمانية أشهر، ولكن تسبب الفن فى ابتعاده عن العمل فبعد نجاح فقرة «دش بارد»، قدم فقرة أخرى بعنوان «الشحاتين حول العالم» فى برنامج «مع الناس» الذى كان يقدمه فؤاد منيب على التليفزيون المصرى، وحققت الفقرة نجاحاً كبيراً خاصة إفيه «دكتور إلحقنى».

وذكر «جورج»، فى لقاء صحفى قديم، أن رئيسه فى الوزارة شاهد الفقرة فى التليفزيون، وفى اليوم التالى حضر إلى محطة تربية الجاموس وأخذ يوبخه ويعنفه قائلاً له: «مش عيب تبقى باشمهندس زراعى قد الدنيا وتطلع تقف تترقص وتهز وسطك قدام الناس، وتقول دكتور إلحقنى وبتاع وكلام فاضى زى ده، ده كلام لا يليق.. كرامة المهنة.. إحنا مهندسين مش عوالم، إنت متخرج من كلية الزراعة ولا من شارع محمد على؟ إنت بتشتغل فى وزارة الزراعة ولا عند زينب عصفور»، ليقرر «جورج» وقتها أن يقدم استقالته ويترك الوظيفة الحكومية المليئة بالروتين بلا عودة.

 

أخلاق صعايدة

وكان لنشأة جورج فى جرجا بسوهاج تأثير قوى على شخصيته التى تعامل بها مع الناس والوسط الفنى فيما بعد، فهو كصعيدى يعى تماماً أن الصعايدة يتسمون بالجد ويأخذون الموضوعات والمواقف على محمل الجد، ما جعله يأخذ الفن بجدية كرسالة سامية تهدف لتغيير سلوك الناس، وعندما دخل الفن بالصدفة لم يدخله من أجل الحصول على شهرة أو اسم، بل تعامل مع الفن بكل جدية وحماس، وعرف بتعامله مع الناس وزملائه الممثلين بكلمة شرف لا غير، كما كان لا يهوى السهرات والخروجات للملاهى والكباريهات وعروض الأزياء، أو الاختلاط الذى لا يفيد ولا يجدى؛ حيث كان يستغل وقته فى القراءة الدائمة، فكان يقرأ لتوفيق الحكيم، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ، ولديه نهم شديد فى قراءة المسرحيات العالمية، كانت القراءة بالنسبة له مثل الهواء والماء ايمانا منه بأن الفنان لابد أن يثقف نفسه بنفسه ولا يتوقف عن ذلك مهما بلغ من الشهرة والنجومية.

موعد مع النصابين

وكان لجورج موعد مع النصابين فى أوروبا، إذ استغل نصاب طيبته واستخدم اسمه خلال تواجده فى باريس لعرض مسرحية «حب فى التخشيبة»، وقام النصاب الذى كان يشبه جورج فى الملامح بشراء كميات كبيرة من العطور والملابس من المحلات التى يمتلكها العرب هناك بزعم أنه الفنان جورج سيدهم، ليكتشف «جورج» الحكاية من خلال صاحب أحد المحلات، وليعرف أن الشرطة وضعته على قائمة المطلوب القبض عليهم، ليغادر باريس بعد أن دفع مبلغاً كبيراً لأصحاب هذه المحلات، للتنازل عن الشكاوى التى قدموها باسمه.

 

قديس الفن

وحرص جورج سيدهم، على أن تظل الصورة الذهنية المأخوذة عنه وعن طيبته وإنسانيته كما هى، ولم يكن ذلك تمثيلاً أو إدعاءً منه، بل كان بالفعل طيب القلب والطباع، وعُرف بين زملائه بالوسط الفنى وعند الكثير من عشاق فنه بالعديد من الألقاب التى تكن له التقدير والاحترام، فقد أطلق عليه البعض لقب «ملاك المسرح والسينما»، وأطلق عليه البعض الآخر لقب «قديس الفن»، فكان لا يهوى الخصومة مع أحد، ولا يدخل فى معارك لا طائل من ورائها على صفحات الصحف أو فى جلساته الخاصة وحواراته الصحفية والإذاعية، إذا كان يحرص على عدم جرح مشاعر أحد.

وترجم «جورج» أخلاقه وصفاته فى عمله؛ حيث كان يعى تماماً أصول العلاقة الإنسانية، وأصول العمل المسرحى وقيمة وأهمية احترامه للجمهور الذى بادله نفس الاحترام لحرصة الشديد على البعد عن كل ما يجرح مشاعر المشاهد، فخلت مسرحياته من العرى والإيحاءات الجنسية والنكات البذيئة التى تجعل الأسرة تهرب من صالة المسرح تحت وطأة خدش الحياء، كما حرص على هذه القيم الأخلاقية وكان يجبر أى ممثل يتعامل معه على المسرح الحفاظ على هذه القيم الأخلاقية والفنية ولا يسمح له بالخروج عنها.

 

مسرح الهوسابير وأزمة سمير غانم

وكان الفنان جورج سيدهم، شفاه الله وعافاه، محباً للفن ولرسم ضحكة على شفاه الجمهور مهما كلفه ذلك.. هذا الحب جعله ينفق كل ما معه من أموال على مسرح الهوسابير رافضاً تغيير اسمه لاسم آخر، ليبدأ المسرح وتحديداً منذ عام 1981 فى تقديم عدد من الأعمال الناجحة منها مسرحيتى «المتزوجون»، و«أهلاً يا دكتور» مع الفنان سمير غانم العضو الباقى من فريق ثلاثى أضواء المسرح.

ورغم النجاحات المادية والأدبية الكبيرة التى حققها الهوسابير وعروضه، والتى دفعت «جورج» لعمل خطة لتطوير المسرح جعلته يقترض ليشترى أجهزة صوت وإضاءة جديدة، لكنَّ الجميع فوجئوا بالفنان سمير غانم يستيقظ من النوم فجأة ذات يوم ليخبر «جورج» بضرورة الانفصال بينهما فنياً، واحتياجه لنصيبه فى المسرح، وكان ذلك بعد وفاة شقيقه سيد غانم الذى كان يتولى إدارة أعماله، وبرر سمير قراره وفق ما ذكره فى لقاء صحفى مع جريدة الأنباء الكويتية وقتها، أنه يريد المال بعد أن اضطربت أحواله بوفاة شقيقه.

لم يكن أمام جورج سيدهم، إلا أن يوفر لسمير مستحقاته، ليتعرض لأزمة نفسية وصحية كبيرة، تمثلت فى خسارة الصديق ورفيق الدرب والكفاح أولاً والأزمة المالية والصحية ثانياً، والتى زادت بعدما تعرض المسرح لحريق كبير دمر محتوياته كاملة، ليُصاب جورج بجلطة فى القلب حزناً على كل ما جرى له.

 

وخيانة الأخ تصبه بالشلل

وعقب الحريق الذى دمر المسرح، وعودة جورج من الخارج، قرر تجديد المسرح وعمل اللازم له لإعادة افتتاحه من جديد، وبدأ فى 1995 العمل على مسرحية «نشنت يا فالح» مع أحمد آدم ووفاء عامر والمخرج الفنان عبدالمنعم مدبولى، لتحقق المسرحية نجاحاً جعلها تعرض لمدة عامين.

والقريبون من الفنان جورج سيدهم يعرفون جيداً أنه كان فناناً فقط، فقد أوكل كل أعماله من مصروفات وتعاقدات وحسابات حتى الأكل والشرب والسكن إلى شقيقه أمير، ولم يكن «جورج» يدرى أى شىء متعلق بإدارة الفرقة ولا مصاريفها وحساباتها لأن كل شىء كان مسئولاً عنه شقيقه، وفجأة علم «جورج» بأن الفرقة مدينة لصحف الأهرام والأخبار والجمهورية بمبالغ مالية طائلة مقابل الإعلانات التى كانت تنشرها الفرقة عن عروضها المسرحية فى فترة وجود سمير غانم فى الفرقة وبعد خروجه منها.

اهتز «جورج» من ضخامة المبلغ، وشعر أنه من المستحيل أن يواصل عمله بالفرقة فى ظل هذه الديوان الضخمة التى أصبح ملزماً بسدادها وتوصل لاتفاق مع الدائنين بتقسيط المبلغ على دفعات أرهقته مالياً ومعنوياً، وفكر فى تعويض تلك الخسارة بتصوير عدد من المسرحيات التليفزيونية التى اتفق عليها، فصور منها مسرحيتين وفجأة ودون سابق إنذار اختفى شقيقه أمير سيدهم من مصر.

ليفاجأ جورج فى إحدى ليالى عام 1997 بتليفون من شخص مجهول يخبره بأن شقيقه ومدير الفرقة أمير سيدهم قد باع المسرح لأحد البنوك، قبل سفره لأمريكا، ليسقط جورج مغشياً عليه ويفقد الحركة والكلام، ويجلس من وقتها فى منزله طريح الفراش، ويبدأ رحلة علاجه التي لم تنته حتى الآن.

 

الزواج بعد الخمسين

وإذا كان «جورج» قد ابتلى بصديق لم يحفظ العشرة وتركه وحيداً فى أزماته وأخ خائن استغل طيبته وباع كل شىء وهرب، فقد رزقه الله بالزوجة الصالحة التى أحبته ولم تتخل عنه، وظلت بجواره فى فترة مرضه التى وصلت إلى 22 عاماً.

ولمن لا يعرف فقد ظل الفنان جورج سيدهم لسنوات طويلة من أنصار الحرية والإضراب عن الزواج، وكان من أهم مشاهير قائمة العزاب فى السينما المصرية، إلى أن وقع فى حب الدكتورة الصيدلانية ليندا مكرم وقرر فجأة أن يتزوجها وهو فى عمر الثالثة والخمسين وكان ذلك عام 1991، ليعوضه الله بها عن كل ما لاقاه وما عاناه فى حياته المليئة بالمآسى والأحزان، وتكون له الظهر والسند من غدر الأصحاب وخيانة الأشقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*