auhv

تأتون من بعيد.. عندما تدفع ثمن معتقداتك غالياً جداً

المصدر: محمد إبراهيم طعيمة
1756 مشاهد

ليس هناك أجمل ولا أشرف من أن يموت الإنسان دفاعاً عن معتقداته التي يؤمن بها، تماماً مثل المسلمين الأوائل الذين عُذبوا أشد أنواع العذاب والتعذيب حتى يتراجعوا عن الإسلام ويعودوا لدين آبائهم، ولكنهم كانوا يرفضون، مرددين "أحد أحد"، ليذوقوا العذاب أشكالاً وألواناً.

هذا ما جرى لهم وهم بالتأكيد فخورين بهذا وغير نادمين على ما لاقوه، ولكن ماذا عن أبنائهم وعائلاتهم؟ ماذا حدث لهم بعد ذلك؟ كيف عاشوا؟ وأين استكملوا حياتهم؟ وهل دفعوا ثمن معتقدات أهلهم؟ هذا هو السؤال الذي أجابت عنه المخرجة المصرية أمل رمسيس من خلال فيلمها "تأتون من بعيد"، والمشارك في الـ 21 لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة.

يبدأ الفيلم أولى مشاهده، بشاشة قناة CNN  الأمريكية وهي تنقل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وما به من نيران مشتعلة، وخراب ودمار، لتؤكد أن الضحايا دائماً ليسوا الأجيال الحالية فقط، وإنما القادمة أيضاً، وذلك بعد أن تدخل في تفاصيل حكايتها عن المناضل الفلسطيني نجاتي صدقي، والذي دفع ثمن معتقداته السياسية غالياً بعدما شُتت هو وأفراد عائلته جميعاً، ودُفن من مات منهم بعيداً عن تراب وطنه.

وتدور أحداث الفيلم بعد عام 1930 عقب إنجاب المناضل الفلسطيني نجاتي صدقي ابنته الكبرى "دولت"، حيث آمن بالشيوعية ودافع عنها وعن أفكارها ومعتقداتها بكل ما أوتي من قوة، لتأتي ثورة 1936 في فلسطين ويتم القبض عليه وعلى زوجته، فيتم تهريب الطفلة إلى موسكو مسقط رأس الشيوعية، وتودع هناك بأحد الملاجئ مع أبناء المناضلين، لتبدأ رحلة اغتراب طويلة، تنفصل فيها الطفلة عن والديها وأشقائها الذين ولدوا بعدها ما بقي من حياتها.

يخرج الأبوين من السجن، ويتم ترحليهما بعيداً عن فلسطين، فيقررا استكمال رحلة الدفاع عن معتقداتهم وأرائهم، ليبدأوا من سوريا وينشئوا منظمة شيوعية تسعى لتحرير الأرض من الاحتلال، ومنها إلى فرنسا حيث يقومون بنشر وتوزيع جريدة سرية في باريس تنادي بالحرية وبالثورة، ويسافروا للمشاركة في حرب الحرية في أسبانيا، ووسط كل هذا يرزقا بطفلين آخرين هما هند التي استقرت في اليونان مع والديها اللذين توفيا ودفنا هناك، وسعيد الذي هاجر إلى البرازيل.

تعيش العائلة في تفرق وشتات، دافعين ثمن معتقدات الأب والأم، الذي تكشف الأحداث عن ديانتها اليهودية، والتي رفضت ما يفعله اليهود في أرض فلسطين وأحبت نجاتي العربي وآمنت بقضيته وانضمت له في حربه وحياته.

بعد رحلة إنسانية طويلة تقوم بها المخرجة أمل رمسيس في تجميع الأخوة الثلاثة، ينتهي الفيلم بلقاء أخير مليء بالدفء والأحاسيس والمشاعر بين الأشقاء الثلاثة في موسكو عام ٢٠١٥، حيث استعادوا  سوياً الذكريات القليلة التي تجمعهم وتفاصيل المقابلات المعدودة التي رأوا بعضهم فيها، لينتهي الفيلم بوصية "دولت" لحفيدتها بأن تنثر رماد جثمانها عقب وفاتها على أرض القدس وطنها ومكان ولادتها، قائلة لها إن الإنسان يعود في نهاية حياته إلى مكان بدايته.

وطوال مدة الفيلم يكشف الأشقاء الثلاثة عن فخرهم واعتزازهم بما فعله والدهم ووالدتهم، وبمسيرتهم النضالية المشرفة، غير نادمين على ما حدث لهم من بعد وتهجير وإقصاء من أرضهم، وموتهم في أرض أخرى غير التي ولدوا فيها، ودافعوا عنها

وفي كلمتها عقب الندوة التي أعقب الفيلم قالت مخرجة الفيلم أمل رمسيس، إنها ظلت تعمل على الفيلم مدة 14 عاماً، وكثيراً ما توقف بسبب مواجهة بعض العقبات أبرزها التمويل المالي، وهو ما ظهر على صورة العمل التي بدت بعض المشاهد فيها غير واضحة ومهزوزة، حيث أوضحت أنها قامت بتصوير بعض المشاهد بكاميرتها الخاصة توفيراً لأجر المصور، إلى جانب عقبات اللغة خاصة فيما تخص دولت التي تتحدث الروسية ولا تعرف العربية ولا الإنجليزية.

وأشارت أمل إلى أن فكرة الفيلم جاءتها بالصدفة البحتة، بعدما وقع في ايديها معلومة أثناء دراستها في أسبانيا، عن مشاركة العرب في الحرب الأهلية بأسبانيا عام 1936 مع الجمهوريين ضد الديكتاتور فرانكو، وهي المعلومة التي لا يعرف الكثيرين عنها شيئ، حيث يعتقد الشعب الأسباني أن العرب شاركوا مع فرانكو في قمع الثورة والمتظاهرين بعدما استخدم عدد من الجنود المغاربة في ذلك، لتستكمل رحلتها وتتواصل المعلومات لتكتشف أن أكثر ألف مناضل عربي جاؤوا لنصرة الحرية والوقوف مع الجمهوريين في ثورتهم ضد الظلم، ومن ضمنهم المناضل الفلسطيني نجاتي صدقي، الذي ضحى بكل شيء من أجل فكره ومعتقداته

كلمات دالّة

معتقدات
////////////////
لا توجد تعليقات حتى الآن، لماذا لا تكتب واحد؟
///////////

إعلانات