TEN الفضائية فى برنامج «صباح الورد»، لسيدة تحكى عن مواقف فى حياة قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وكيف أن علاقته القوية والمميزة بالملك فاروق، لم تمنعه من رفض هدية ملكية منحه إياها بعدما تلى القرآن الكريم طوال أيام العزاء الخاص بوالده الملك فؤاد.

" /> TEN الفضائية فى برنامج «صباح الورد»، لسيدة تحكى عن مواقف فى حياة قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وكيف أن علاقته القوية والمميزة بالملك فاروق، لم تمنعه من رفض هدية ملكية منحه إياها بعدما تلى القرآن الكريم طوال أيام العزاء الخاص بوالده الملك فؤاد.

" /> TEN الفضائية فى برنامج «صباح الورد»، لسيدة تحكى عن مواقف فى حياة قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وكيف أن علاقته القوية والمميزة بالملك فاروق، لم تمنعه من رفض هدية ملكية منحه إياها بعدما تلى القرآن الكريم طوال أيام العزاء الخاص بوالده الملك فؤاد.

"> TEN الفضائية فى برنامج «صباح الورد»، لسيدة تحكى عن مواقف فى حياة قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وكيف أن علاقته القوية والمميزة بالملك فاروق، لم تمنعه من رفض هدية ملكية منحه إياها بعدما تلى القرآن الكريم طوال أيام العزاء الخاص بوالده الملك فؤاد.

">
مساحة اعلانية

مقالات

محمد إبراهيم طعيمة
الشيخ محمد رفعت صوت المبصرين إلى السماء

الشيخ محمد رفعت صوت المبصرين إلى السماء

بينما كنت أتنقل بين عدد من القنوات الفضائية، للبحث عن مسلسل شيق أو فيلم مثير أتابعه، استوقفنى لقاء على قناة TEN الفضائية فى برنامج «صباح الورد»، لسيدة تحكى عن مواقف فى حياة قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وكيف أن علاقته القوية والمميزة بالملك فاروق، لم تمنعه من رفض هدية ملكية منحه إياها بعدما تلى القرآن الكريم طوال أيام العزاء الخاص بوالده الملك فؤاد.

شدنى الحديث وجلست أتابعه عن كثب، فتعرفت على الضيفة، وهى السيدة هناء حفيدة الشيخ رفعت، والتى استكملت قصة رفض جدها لهدية الملك فاروق الذى غضب بعدما علم بأمر الرفض، فأخبره أن هدايا الملوك لا ترد، فاضطر الشيخ «رفعت» لقبولها على «مضض»، قبل أن يعود ويرفض القراءة فى ليلة الذكرى السنوية للملك فؤاد؛ بسبب تفضيله إحياء عزاء إحدى جيرانه الفقراء مجاناً.

ووجدتنى عقب انتهاء اللقاء أتذكر مواقفى مع الشيخ رفعت والتى بدأت وأنا فى الثانوية العامة، فقد كنت أقطن فى قرية تبعد عن مدينة الزقازيق قرابة اثنى عشر كيلو متراً، وكان سائقو الميكروباصات يقسمون رحلاتهم على صوت الشيخ رفعت، فقبل أن تنتهى فقرته فى إذاعة القرآن الكريم والتى تبدأ فى السابعة صباحاً يسمح لهم بالدخول إلى المدينة، أما إذا انتهى من قراءته فى السابعة والنصف، فإن الرحلة وقتها تنتهى على مشارف الزقازيق، ووقتها لا بد أن تبحث لك على مواصلة أخرى توصلك للمدرسة.

وامتلك الشيخ محمد رفعت طاقات صوتية هائلة، جعلته يتمكن من الانتقال بسلاسة شديدة بين المقامات فى أثناء تلاوته للقرآن الكريم، كما امتلك القدرة على تراسل الحواس لدى المستمعين، فيعلم متى يبكيهم، ومتى يبهجهم من خلال آيات الترغيب، فقد أوتى – رحمه الله - مزماراً من مزامير داود.

بداية أليمة

جلست أبحث عن تاريخ هذا الشيخ الجليل، الذى تمر هذه الأيام ذكرى ميلاده رقم 137 ووفاته رقم 69؛ حيث ولد يوم الاثنين 9 مايو عام 1882م بدرب الأغوات بحى المغربلين بالقاهرة، وكان اسمه مركباً فهو محمد رفعت ووالده محمود رفعت وجده محمد رفعت، وبدأ حياته بداية أليمة؛ حيث فقد بصره وهو طفل صغير فى سن الثانية من عمره.

بدأ الطفل الصغير محمد رفعت حفظ القرآن وهو فى سن الخامسة، عندما أدخله والده كُتّاب «بشتاك» الملحق بمسجد فاضل باشا الكائن بدرب «الجماميز» بحى السيدة زينب، حيث تعلم على يد الشيخ محمد حميدة، وأكمل القرآن حفظاً إلى جانب مجموعة من الأحاديث النبوية، كما درس علم القراءات والتجويد لمدة عامين على يد الشيخ عبدالفتاح هنيدى، صاحب أعلى سند فى وقته ونال إجازته، لتبدأ مرحلة جديدة فى حياته بعدما شعر شيخه أنه مميز فى صوته وقراءاته، إذ بدأ يرشحه لإحياء الليالى فى الأماكن المجاورة القريبة.

وفاة والده وضياع حلمه

وجاء العام التاسع فى حياة الطفل محمد رفعت، ليتوفى والده محمود رفعت الذى كان يعمل مأموراً لقسم شرطة الجمالية، ليصبح الطفل بين عشية وضحاها مسئولاً عن أسرته المكونة من والدته وخالته وشقيقته وشقيقه الأصغر «محرم» ويصبح هو عائلها الوحيد، ويضيع حلمه وحلم والده بأن يكمل تعليمه فى الأزهر الشريف.

ولأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فقد عوّض الله محمد رفعت عن حرمانه والده وضياع حلمه، بمرحلة جديدة فى حياته، إذ بدأ يحترف العمل فى الليالى الخيرية، وأصبح له اسم رنان، وتوسعت دائرة عمله من حى السيدة زينب والمغربلين لتشمل القاهرة كلها، ليقوم وهو فى الرابعة عشرة من عمره بترتيل القرآن الكريم، ليس فى القاهرة فقط وإنما فى الأقاليم أيضاً.

زوجة وفية وأربعة أبناء

فتح الله على «محمد رفعت»، إذ تزوج فى سن صغيرة ورزقه بزوجة صالحة وفية كانت خير معين له على استكمال حياته كقارئ للقرآن للكريم، فقد تزوج من فتاة تدعى «زينب» من قرية الفرعونية بالمنوفية، وعاشت معه تخدمه وتسهر على راحته، ليرزقهما الله بأربعة أبناء أكبرهم محمد المولود عام 1909، وهو الذى رافق والده فكان بمثابة سكرتيره الخاص ومدير أعماله، ثم أحمد الذى ولد عام 1911، والذى سار على درب والده فحفظ القرآن الكريم ودرس القراءات ونال الإجازة فيها، ثم ابنته بهية التى ولدت عام 1914، ثم أصغرهم حسين والذى ولد عام 1920، وكان عين والده إذ كان يقرأ له الكتب والصحف.

وجاء عوض الله

ولأن الله عادل ويعوض على الإنسان ويرزقه على صبره وتحمله، فقد فتح على «محمد رفعت» الذى تولى القراءة بمسجد فاضل باشا بحى السيدة زينب عام 1918؛ حيث عين قارئاً به وهو فى سن الخامسة عشرة، فبلغ شهرة ونال محبة الناس، وحرص النحاس باشا والملك فاروق على سماعه، واستمر يقرأ القرآن فى المسجد حتى اعتزاله.

وجاء قرار افتتاح بث الإذاعة المصرية سنة 1934، واختير الشيخ محمد رفعت لكى يكون أول قارئ يقرأ القرآن الكريم بها؛ حيث رشحه البرنس «محمد على»، ابن عم الملك فاروق لهذه المهمة، ولكنه طلب مهلة للسؤال عن مشروعية ذلك، ليذهب إلى شيخ الأزهر محمد الأحمدى الظواهرى، ويسأله عن جواز إذاعة القرآن الكريم فيفتى له بجواز ذلك، ليتعاقد معهم على مبلغ ثلاثة جنيهات، وتفتتح الإذاعة بصوته وهو يقرأ قوله سبحانه وتعالى «إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً».

وبدأت الإذاعة المصرية تعيد صوت الشيخ رفعت، ليصل الأمر لرؤساء هيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى»، ويسمعون صوته ويرسلون إليه طلباً لتسجيل القرآن الكريم مقابل مبلغ من المال، فيرفض الشيخ رفعت فى البداية، معللاً ذلك بأنه حرام لأنهم غير مسلمين، ومع إلحاح الـ «بى بى سى»، يذهب رفعت للشيخ المراغى ويشرح له الأمر، فيخبره بأن تسجيل القرآن لهم ليس به أى شىء حرام، بل إنه من أحل الحلال؛ لأنه يساعد على انتشار القرآن الكريم لدى الغرب، فيوافق الشيخ رفعت ويسجل لهم سورة «مريم».

الإنسان رقيق المشاعر

وبعيداً عن الشيخ محمد رفعت، قارئ القرآن الشهير الذى كان يشار إليه بالبنان، فكان محمد رفعت الإنسان أكثر شهرة فى الإنسانية ورقة المشاعر، فقد روى عنه أنه كان رحيماً رقيقاً عطوفاً على الفقراء والمحتاجين، حتى إنه كان يطمئن على فرسه كل يوم ويوصى بإطعامه.

وروت حفيدته أنه كان زاهداً صوفياً يحب الفقراء والمساكين ويميل إليهم وإلى مخالطتهم والعيش معهم أكثر من مخالطة الأثرياء والمشاهير، لدرجة أنه فضل فى أحد الأيام أن يحيى مناسبة لجارته الفقيرة على أن يذهب للمشاركة فى إحياء الذكرى السنوية لوفاة الملك فؤاد والد الملك فاروق.

ويروى عنه، أيضاً، أنه زار صديقاً له قبيل موته فقال له صديقه من يرعى ابنتى بعد موتى؟! فتأثر الشيخ بذلك، وفى اليوم التالى والشيخ يقرأ القرآن من سورة الضحى وعند وصوله إلى الآية «فأما اليتيم فلا تقهر» تذكر الفتاة وانهال فى البكاء بحرارة، ثم خصص مبلغاً ثابتاً من المال للفتاة يذهب إليها شهرياً حتى تزوجت.

وكان الشيخ رفعت بكّاءً تبل دموعه خديه فى أثناء تلاوته حتى إنه انهار ذات مرة وهو فى الصلاة عندما كان يؤم المصلين يتلو آية فيها موقف من مواقف عذاب الآخرة.

أرشيف كبير وعاشق يحفظ

قدم الشيخ محمد رفعت أرشيفاً كبيراً مليئاً بالقراءات المختلفة للعديد من السور القرآنية، حيث كانت معظم تلاواته فى مسجد فاضل باشا بالقاهرة والذى كان يقصده الناس للاستماع إليه فيه حتى الملك فاروق نفسه، وكانت تبث الإذاعة المصرية حفلاته من هناك، أما فى فترة الصيف فكان يتلو القرآن فى مسجد المرسى أبوالعباس بالإسكندرية.

كما قدم رفعت عدداً من التلاوات الحية على الهواء مباشرة من دار الإذاعة المصرية التى تعاقدت معه من أول افتتاحها، لاسيما فى شهر رمضان حيث كان يتلو تلاوتين يومياً على الهواء الأولى من الساعة التاسعة وحتى العاشرة إلا الربع مساءً، والثانية من الساعة العاشرة والنصف وحتى الحادية عشرة والربع مساءً.

 ولأن التكنولوجيا فى ذلك العهد لم تكن قد وصلت لما هى فيه الآن من تقدم، فكاد صوت الشيخ رفعت أن يضيع تماماً لولا تسجيلات أحد أكبر محبيه وهو زكريا باشا مهران، عضو مجلس الشيوخ وأحد أعيان مركز القوصية بأسيوط، والذى يعود له الفضل فى حفظ تراث الشيخ محمد رفعت الذى نسمعه حالياً.

وكان زكريا باشا يحب الشيخ رفعت دون أن يلتقى به ولو لمرة واحدة؛ حيث حرص على تسجيل حفلاته التى كانت تذيعها الإذاعة المصرية على الهواء واشترى لذلك اثنين من أجهزة الجرامافون من ألمانيا، وعندما علم بمرض الشيخ رفعت أسرع إلى الإذاعة حاملاً إحدى هذه الأسطوانات، وطلب من مسئولى الإذاعة عمل معاش له مدى الحياة، وبالفعل خصصت الإذاعة مبلغ 10 جنيهات معاشاً شهرياً للشيخ رفعت، ولكن الشيخ توفى قبل أن يتسلمه.

وبعد وفاة زكريا باشا تبرعت عائلته بالأسطوانات لكى تنشر، وحصل عليها ورثة الشيخ رفعت، من زوجته زينب هانم مبارك، التى ذكرت وقتها أنه برغم نشاطات زوجها فى الاقتصاد والمحاماة والسياسة والتأليف، فإنَّ اسمه لم يذكر إلا مقروناً بأنه الذى سجل قراءات الشيخ محمد رفعت.

إعادة ترميم الأرشيف

ومن نفس نقطة التكنولوجيا التى سبق وتحدثنا عنها، فقد تسلمت أسرة الشيخ رفعت التسجيلات من أسرة زكريا باشا وبدأوا عمليات الترميم، وهو ما ذكرته السيدة هناء حفيدة الشيخ، والتى أكدت أن والدها وأشقاءه ظلوا طوال حياتهم يعملون على إعادة إصلاح ومعالجة هذه الأسطوانات، وأن والدها المرحوم حسين أهدى الإذاعة 30 ساعة بصوت الشيخ رفعت دون مقابل، وهى كل التراث الذى نسمعه حالياً للشيخ رفعت، مؤكدة أن الأحفاد يستكملون المسيرة ويحاولون إنقاذ 30 ساعة أخرى لم تر النور بعد، ولم تصل إلى آذان محبيه.

علاقته بنجوم الفن

ولم يتوقف الشيخ رفعت على قراءة القرآن الكريم فقط، وإنما كان معلماً للقراءات والنغمات الموسيقية، وهو ما جعل علاقة وطيدة تنشأ بينه وبين عدد من نجوم الغناء، حيث ارتبط بعلاقة صداقة مميزة بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب منذ صغره، وكذلك كوكب الشرق أم كلثوم، والملحن زكريا أحمد، والشاعر أحمد رامى، والفنانة ليلى مراد التى كانت تذهب إلى منزله فى صغرها بصحبة والدها لتتعلم النغمات والمقامات على يديه.

وذكرت حفيدته هناء فى اللقاء الذى تابعته أن جدها كان من محباً للموسيقى الكلاسيكية بصورة كبيرة، وأنه ترك مكتبة مميزة للموسيقى الكلاسيكية، وكان حريصاً على اقتناء الكتب الخاصة بها.

المرض لا يمنع عزة النفس

وضرب الشيخ محمد رفعت مثالاً كبيراً وبرهاناً أكبر بأن المرض لا يمنع عزة النفس، وأن من يستعفف يعفه الله، ففى إحدى ليالى عام 1943 وأثناء قراءته للقرآن الكريم، أصابت حنجرته «زغطة» جعلته يتوقف عن القراءة، وقد سببت تلك «الزغطة» ورم فى حنجرته يعتقد أنها سرطان الحنجرة، لينفق كل ما يملك لكى يشفى منها حتى افتقر.

وتحولت الأيام بالشيخ رفعت، إذ أصابته ضائقة مالية كبيرة بعدما باع كل ما يملك من أجل علاجه، ولكنه لم يمد يده إلى أحد، حتى إنه اعتذر عن قبول المبلغ الذى جمع فى اكتتاب عام بمبلغ خمسين ألف جنيه لعلاجه على رغم أنه لم يكن يملك تكاليف العلاج، وكان جوابه كلمته الشهيرة «قارئ القرآن لا يهان».

وأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً

وعملاً بحديث النبى صلى الله عليه وسلم «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»، فقد كان إحدى أمانى وأحلام الشيخ رفعت أن يُدفن بجوار مسجد السيدة نفيسة، فسعى حتى تقرر منحه قطعة أرض بجوار المسجد فقام ببناء مدفنه عليه، وكان يذهب كل يوم اثنين أمام المدفن ليقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، ليأتى يوم الرابع عشر من شهر مايو عام 1950 ويرحل الشيخ رفعت عن عمر يناهز 68 عاماً قضاها جميعاً فى ذكر الله وتلاوة القرآن، ويدفن فى المدفن الذى اختاره لنفسه.

اترك تعليقاً