«ما استحق الحياة مَن عاش لنفسه»

تلك المقولة هي ما يجب أن يفهمه الإنسان، ويدركه جيدًا كي تستقيم أموره في الحياة، ويعمُر الكون وتستمر عجلة الزمان في الدوران، فلو عاش كل إنسان لنفسه فقط لما عمُرت الحياة، ولما حدث فيها أي نوع من الاستخلاف للـه في الأرض، فنحن نعيش على ما تركه لنا الأسلاف، فقد زرعوا وأنتجوا وبنوا لنا، وما نحن فيه الآن هو ثمرة جهودهم، ورسالتنا أن نصنع مثلهم نزرع وننتج ليعيش مَن يأتي بعدنا من الأولاد والأحفاد، وهم بدورهم يكملون ما بدأناه وبدأه من كان قبلنا، حتى تستمر عمارة الكونن وحتى تكون لحياتنا قيمة ومعنى، إلى أن يرث اللـه الأرض ومن عليها.

وتحضُرني هنا قصة عن كسرى أنو شروان ـ ملك الفرس ـ وكان مشهورًا بالحكمة والعدل، وكان من أعظم ملوك زمانه، بل أعظمهم على الإطلاق، أنه كان يسير بموكبه، وفي الطريق لمح فلاحًا عجوزًا في أرضه يغرس نخلًا، فتعجّب من صنيعه، إذ من المعروف أن النخل لا يثمر إلا بعد عشر سنوات، فعمد إليه كسرى  وسأله مستغربًا: يا هذا.ز أتزرع نخلا.. أنّى لك أن تأكل منه أو أن تنتفع به وقد بلغت من العمر أرذله؟!

فقال العجوز واثقا من نفسه: زرع مَن كان قبلنا فأكلنا، ونحن نزرع لمَن يأتي بعدنا ليأكلوا منه كما أكلنا. فأعجب كسرى بفطنة الرجل وحكمته وحسن منطقه، فأعطاه ألف دينار هدية ومكافأة على ذلك، فقال الرجل: أما رأيت يا سيدي أن نخلي قد أثمر سريعًا؟! فأعجب كسرى بحُسنِ بيان الرجل وحكمته العالية وحسن تقديره للأمور، فأعطاه ألف دينار أخرى، فأخذها الرجل باسمًا مُتهللا قائلا: وأعجبُ من ذلك يا سيدي أنه أثمر في هذا العام مرتين، فأعجب كسرى من رده واندهش جدًا حتى أعطاه ألف دينار ثالثة هدية ومكافأة له، وانصرف من أمامه مسرعًا، وودعه متعجبا من فطنته.

تلك هي الحياة .ز أخذ وعطاء، ولا يمكن أن يعيش فيها إنسان وحده فقط، أو أن يعيش لنفسه، فيكون مثل التينة الحمقاء التي عاشت لنفسها فمنعت ظلها وثمرها عن أن ينتفع بهما أحد، فما كان إلا أن أصبحت جافة عارية من الأوراق والثمار، فصارت حطبا للنار لم تنفع نفسها ولا غيرها. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*